طارق على وخماسيته التاريخية

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 23 مايو 2026 - 5:45 م بتوقيت القاهرة

 

(1)
أخيرًا وبعد سنوات طويلة؛ تكتمل الترجمة العربية لخماسية الكاتب البريطانى باكستانى الأصل طارق على المشهورة باسم «خماسية الإسلام» بحسب ما أخبرتنى الصديقة العزيزة والناشرة القديرة كرم يوسف مديرة دار الكتب خان؛ التى اضطلعت بدأب وصبر، وعلى مدى يزيد على عشر سنوات، بترجمتها التى صدر منها: «ظلال شجرة الرمان»، و«كتاب صلاح الدين»، و«المرأة الحجرية» و«سلطان باليرمو».


وها هى تبشرنا بقرب صدور الترجمة العربية للرواية الخامسة والأخيرة بعنوان «ليلة الفراشة الذهبية» عن «الكتب خان»، وفى إطار الاحتفال بمرور عشرين عامًا على تأسيسها.


هذه السلسلة من الروايات تشكل فى مجموعها خماسية روائية ذات نفس طويل؛ ومع أن كل رواية من هذه الروايات الخمس تعد عملا مستقلا بذاته، فإن ملامح رئيسية أربعة توحّدها؛ هى «الطرافة» و«الخيال» و«البصيرة» و«متعة النقد»، إلى جانب جهد توثيقى كبير فى كتابتها، وقد برع على فى نسج خيوط أقدار شخصياتها، وحبكاتها المعقدة والمتينة، فى إنارة ومساءلة حقب مجيدة من تاريخ العالم الإسلامى.


وقد حشد طارق على مهاراته الأدبية وقدراته التخييلية التى فاجأ بها قراءه خلال التسعينيات، فى تدشين هذه الخماسية وقد استهلها بروايته الشهيرة عن الأندلس، ثم عن المراحل المهمة من الحضارة الإسلامية، بهدف كشف طبيعة العلاقات التى كانت قائمة بين المسلمين والمسيحيين واليهود خلال القرون الثمانية الماضية، ومدى تغّذيهم بعضهم من بعض على رغم الاختلاف بينهم.


ماذا أراد الكاتب البريطانى الشهير ذى الأصول الباكستانية من هذه السلسلة التى اضطلع بكتابتها عقب حرب الخليج الأولى لتحرير الكويت من الغزو العراقى (1991)؟


قبل الإجابة عن هذا السؤال من المهم إلقاء الضوء على طارق على نفسه، لمن لا يعرفه، أو لم يسمع به من قبل.

 

(2)
طارق على كاتب ومناضل سياسى وناشط يسارى من مواليد 21 أكتوبر 1943، بلاهور بباكستان، وهو مؤرخ ومنتج أفلام وثائقية وروائى لاحقا، حصل على الجنسية البريطانية عقب استقراره بها، بعد أن توجه إلى جامعة أكسفورد عام 1963، حيث درس الاقتصاد والعلوم السياسية والفلسفة فى كلية إكستر العريقة.


عمل كمراسل صحفى ورئيس تحرير، وكتب فى دوريات عدة، منها على سبيل المثال:


الجارديان (Guardian)، ودورية (New Left Review) الشهيرة، و(New Statesman)، وغيرها من كبريات الصحف والدوريات البريطانية والأوروبية المعروفة.


على مدى سنوات نشاطه السياسى، اشتهر بانتقاده اللاذع والعنيف للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، له كتب ومؤلفات عديدة ترجمت إلى لغات كثيرة (من بينها العربية)؛ من أشهرها:


«صدام الأصوليات: الحملات الصليبية والجهاد والحداثة» 2002، وكتاب «بوش فى بابل» (2003) الذى انتقد فيه الحرب الأمريكية على العراق، بالإضافة لسلسلته الأشهر على الإطلاق التى نبدأ بالتعريف بها فى مقالنا هذا «خماسية الإسلام»، وعن كل رواية منها تفصيلًا..


وأعود إلى إجابة السؤال المطروح أعلاه: ماذا أراد طارق على بخماسيته تلك التى استغرقت منه قرابة العشرين عامًا لإنجازها قبل أن تترجم وتذيع إلى لغات كثيرة أخرى غير الإنجليزية التى كتبت بها؟


أتصور أنه أراد من صياغة رؤيته الفنية ومعالجته الإبداعية لأحداث التاريخ الإسلامى الوسيط محاولة الإجابة عن السؤال الإشكالى المزمن: لماذا تراجع المسلمون وانتهى دورهم على مسرح التاريخ، وانتقلت شعلة الحضارة بعد ازدهارها لقرون طويلة منهم إلى غيرهم (الغرب الأوروبى)؟


كما يبحث أيضًا، وبقدر اجتهاده، عن إجابات لأسئلة شائكة وعميقة حول بنية العقل العربى والإسلامى، واضطراب المؤسسات، وإعاقة الانتقال من القرون الوسطى إلى القرون الحديثة والتباسات التعامل مع مفاهيم الحداثة والديمقراطية والثقافة وحقوق الإنسان.. إلخ.


لكن فى المجمل وبحسب ما اتفق غالبية نقاده فقد أراد طارق على أن ينشئ سردية روائية تخييلية قوامها خمس روايات منفصلة، يدافع فيها عن اتهام الإسلام عمومًا (ثقافة وحضارة ودينا) بالحط من شأن العلم وعدم تقديم إرث حضارى للإنسانية.. وقد برزت هذه الغاية بوضوح وألق فى روايته الأولى من هذه الخماسية وهى ظلال شجرة الرمان التى صدرت للمرة الأولى بالإنجليزية عام 1992، ومنذ صدورها لفتت الأنظار بشدة وأصبحت محط اهتمام القراء والنقاد على السواء.


(3)
على المستوى الشخصى تعرفت أول ما تعرفت على اسم طارق على من روايته الأولى فى هذا المشروع «ظلال شجرة الرمان» التى ترجمها إلى العربية عام 1995 أستاذ الأدب والنقد المرموق إبراهيم السعافين (وإن لم أطلع عليها أبدًا!) وذلك من مقال بديع وعميق للمرحوم شكرى عياد فى مساحته الأثيرة بالهلال (القفز على الأشواك). كان لافتًا أن يكتب شكرى عياد عن روايةٍ لكاتب غير معروف بعدُ فى الثقافة العربية، لم يُترجم له شىء من قبل، رواية تدور أحداثها تاريخيا فى نهايات دولة المسلمين فى الأندلس، واندثار وجودهم التاريخى هناك.


أما الذى جعلنى أعتنى بها اعتناء كبيرًا، وأركِّز فى البحث عنها، وعن ترجمتها، القراءةُ العميقةُ التى قدمتها الناقدة وأستاذة الأدب المقارن مارى تريز عبدالمسيح بعنوان «أسطورة الفقد والاستعادة: إعادة قراءة باكستانية للأندلس».. من هنا بدأ اتصالى بمشروع طارق على الروائى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved