لعبة ترويض الألم!
محمود عبد الشكور
آخر تحديث:
السبت 23 مايو 2026 - 5:50 م
بتوقيت القاهرة
عثرت الروائية نهلة كرم على فكرة ذهبية جديدة، لكى تكتب عن نماذجها النسائية، ولكى تجعلنا نرى المرأة بعمق، عبر أبعادٍ ثلاثة برعت حقا فى تقديمها، وصارت عنوانا على أعمالها، وأعنى بذلك أبعاد الجسد، والعائلة، والأزمة النفسية.
ظهرت بوادر هذا التناول المركّب للشخصيات منذ رواية نهلة الأولى «على فراش فرويد». وفى روايتها الأحدث «دراما كوين»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، تقطع الكاتبة مسافات أوسع فى نضج المعالجة، وتكامل بناء الشخصيات، واستخدام المجاز بصورة ذكية ولامعة.
لكن البداية من الفكرة، ومن اختيار الرياضة التى تمارسها بطلات الرواية، كلاعبات وكمدربات.
اسم الرياضة «رقص العمود»، حيث تتدرب كل فتاة على أوضاع صعبة لتسلق الأعمدة، ويتحمّلن - فى سبيل ذلك - آلامَ وكدمات السقوط والاحتكاك، ورغم ذلك يناضلن للانتقال من مستوى المبتدئات إلى مستوى المحترفات، ويصبح ترويض الألم، وترويض الحركة على العمود، عنوانًا على الصراع اليومى.
لكن الكاتبة لم تتوقف فقط حول التفاصيل التقنية للعبة، ولكنها اكتشفت أيضًا ثراء دلالات هذا التحدى لبطلاتها، فاللعبة تقتضى أولًا أن تتخفف اللاعبات من ملابسهن، وأن يتعاملن مع جسدهن، وألا يخجلن منه، وأن يكتشفن إمكانياتهن وقدراتهن، وتتطلب اللعبة ثانيا أن يواجهن غيرهن بلا خجل أو خوف، والأهم من ذلك أن يوافقن على دفع ثمن الألم الجسدى بالكدمات، فى مقابل أن تسترد كل واحدة نفسها، وأن تتخلص من ألمها النفسى العميق، وكل شخصيات الرواية مأزومات، وكلهن يتحررن عبر عمود الرقص من أزماتهن.
هنا معنى بديع حقا، لأننا سنكتشف - فى النهاية - أن حكايات اللاعبات غادة وشيماء وليلى وريم، وقصة صاحبة المكان والمدرّبة «حلا»، وحكاية المدرّبة «فريدة»، تستهدف التعرية النفسية وليس الجسدية، وأن تكنيك اللعبة، وملابسها، وأوضاعها التى تحمل أسماء محددة، ليست سوى الأبواب التى سندخل من خلالها إلى تلك العوالم الداخلية المعقدة، وسنكتشف أيضًا أن رقص العمود لم يكن فقط رحلة جسدية تتخفف فيها الشخصيات من ملابسهن، ولكنه أيضًا رحلة روحية ونفسية، تتخفف فيها الشخصيات من أوجاعهن وعقدهن، وأنها رحلة لاكتشاف الألم، وترويضه، ومواجهته، والتغلّب عليه.
هى إذن رواية شخصيات بالأساس، لذلك انفردت كل شخصية بفصل مستقل، بينما نقرأ حكاية فريدة متفرقة بين الفصول، ثم تظهر حكاية حلا فى النهاية، وبينما تصبح الشخصيات فى المقدمة، فإن ما يجرى فى استديو الرقص، وبعض التعاملات بينهن، وحول العمود، كل ذلك يظل فى الخلفية، وإن كان محسوسًا، لكى يمسك بالحبكة، ولو بخيط رفيع، وخصوصًا مع تحليل أسباب كراهية حلا لفريدة، رغم أنها أفضل مدربة عندها، والوحيدة التى صمدت فى عملها طوال أربع سنوات.
أعتبره بناء موفقا بشكلٍ عام، وإن كانت علاقات الاستديو فى حاجة إلى مزيد من الثراء الذى يخدم ويعمّق تحليل كل شخصية، وبينما أحببتُ فكرة ظهور قصة فريدة كأجزاء وسط قصص اللاعبات، وكأن فريدة المريضة بمتلازمة فقدان الألم تلعب دور العمود فى بناء الرواية، مثلما تلعب دور العمود الذى تستند إليه اللاعبات، وهى أيضًا الأم الحنون المستمعة والمعاونة للجميع، مع ذلك، فلم أجد سببًا لأن تنفرد فريدة وحدها بضمير المتكلم، بينما ينوب الراوى العليم عن كل الشخصيات، بما فيهن حلا، والتى كان يمكن أن تلعب دورًا أكبر فى بنية الرواية، لو ظهرت بشكلٍ فعّال مثل فريدة طوال النص.
لكن قوة «دراما كوين»، وهو اسم أحد أوضاع اللعبة الصعبة، تتجلى تماما فى حضور الشخصيات أمامك جسديا ونفسيا: نعيش خجل غادة من جسدها بسبب آثار عملية نقل الكلى، ونعيش أزمة فقرها وعدم تحققها، ونرى علاقة شيماء الصعبة بجسدها البدين، مع تحليل ممتاز للأسباب النفسية والاجتماعية التى جعلتها تلتهم الطعام، تهرب به من مشاكلها، فيصنع لها مشكلة أكثر، ونتأمل عقدة ليلى التى تفضل العلاقات العابرة مع الرجال المتزوجين، ومشكلة ريم المتأرجحة بين الفقر والثراء، وبين الحلم والواقع، وبين المتعة والعذاب.
شخصيتا «فريدة» و«حلا» كتبتا كذلك بشكلٍ عميق، وبتفصيلات مؤثرة، ودون تنميط أو مبالغة، ولكن كنماذج بشرية رمادية، مخلوقات من لحم ودم، تقمن باكتشاف أنفسهن، وتحاولن تغييرها، وهذا ما يجعلنا نتفهم هذه الحكايات المؤلمة.
على الجانب الآخر، وظّفت أسماء الأوضاع الصعبة للعبة للتعبير على كل شخصية، مصطلحات مثل «براس مانكى»، و«باترفلاى»، و«وباليرينا»، و«هاللو بويز»، و«وسويسايد سبين»، صارت جزءًا عضويا من الحكايات، ومرايا للشخصيات، ودليلًا على سقوط الخط الفاصل بين تحدى العمود فى استديو الرقص، وتحدى المشاكل والألم فى الحياة، بل أصبح العمود نفسه تلخيصًا لتحديات الروح والجسد، وكأن تلك التحديات أخذت شكلًا ماديا محددًا.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة النص كله باعتباره دراسة ممتازة لنساء من طبقات ومهن وخلفيات اجتماعية متباينة، مع وجود خطوط مشتركة وعامة، مثل غياب دور الأب أو تهميشه، ومثل الصورة السلبية للرجال، وأدوارهن السامة فى حياة كل شخصية، وإن كانت المعالجة الناضجة انتبهت أيضًا إلى دور الأم السلبى، كما فى حالة فريدة مثلًا، والحقيقة أنك لا تستطيع أن تتجاهل أثر العائلة عمومًا، فإذا كانت روايتك أصلًا عن «العلاقات السامة» التى تفسد حياتنا، فإن الأدوار السلبية تكون حتمية من الناحية الفنية.
وتبقى غاية الرحلة فى استخدام «عمود اللعبة» فى تحرير الشخصيات، على أن يكتشفن ذلك بأنفسهن، وبالمحاولة والصعود والسقوط.
المعنى هو أن تتحمل المرأة ضريبة الخلاص، وأن تدرك أنه لولا الألم ما نجونا بالعلاج، وكم كان ذكيا أن يكون مرض فريدة عدم شعورها بالألم الجسدى، مما يجعلها عرضة للموت، وللعمر القصير، فالألم نعمة مكروهة، وجرس إنذار ضرورى، للاستمرار وللبقاء.
هذه حكاية أيضًا، وبالأساس، عن اكتشاف المرأة لقوتها الداخلية عبر اكتشاف قدرتها الجسدية، وهى - قبل كل شىء - حكاية عن حتمية ترويض الحياة، والتفاعل معها فى كل أحوالها: رقصًا وحبّا، وألما وفرحًا، وجسدًا وعاطفة.