الكتابة الانطباعية.. أو «النقد بالحتة»

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

هل يعقل أن يكتب البعض أن حسام حسن المدير الفنى للمنتخب الوطنى لكرة القدم لا يفهم ألف باء التدريب والقيادة، ثم فجأة وبعد أيام قليلة يقول إنه أسطورة عصره وزمانه؟


أطرح هذا السؤال بعد أن تأكد لى للمرة المليون أن عددًا لا بأس به من النقاد الرياضيين، وربما فى مجالات وقطاعات كثيرة يمارسون التقييم بـ«الحتة» أو الشخصنة أو الانطباع العام السريع.


عدد قليل من نقادنا هم الذين يلتزمون الموضوعية.


قبل أن تبدأ مباريات كأس العالم الحالية تبارى كثيرون فى توجيه الانتقادات لحسام حسن وجهازه الفنى، لكن حينما أدى الفريق مباراتين جيدتين وديتين أمام روسيا والبرازيل، ثم مباراتين أكثر من جيدتين أمام بلجيكا ونيوزيلندا، تغيرت آراؤهم وصار حسام حسن الأفضل!.


مصيبة النقد الرياضى وربما سائر أنواع النقد فى غالبية البلدان العربية أنه قائم على الشخصنة أو الانطباع أو المصلحة، وقليل منه يقوم على الموضوعية والنزاهة والأمانة والدراسة والتخصص.


حسام حسن كان لاعبا متميزا وله تجارب فى التدريب بعضها نجح وبعضها فشل، له مميزات كثيرة أهمها الحماسة والشجاعة والمغامرة، لكنه شديد العصبية والنرفزة.


لكن ما لا يمكن الخلاف عليه أنه تمكن من الوصول للمربع الذهبى لبطولة الأمم الإفريقية فى المغرب، ثم نجح فى تقديم عروض غير مسبوقة فى مباراتى بلجيكا ونيوزيلندا، وحققنا أول فوز على الإطلاق فى كأس العالم منذ ٩٢ عاما.


ومن الآن فصاعدًا فسوف نظل نقول أن حسام حسن نجح فيما فشل فيه كل من سبقوه.


هل يعنى ذلك أنه أسطورة عصره وزمانه؟.


الإجابة هى لا، وهناك مدربون عالميون كبار يتم الاستغناء عنهم لمجرد إخفاق فى مباراة أو بطولة حتى لو كان ذلك بسبب عدم توفيق لاعب فى تسديد ضربة جزاء حاسمة. لكن ما أقصده أن علينا التوقف عن التقييم الانطباعى.


لا يعقل أنه بينما يجمع الكثيرون على أن حسام والمنتخب حققوا إنجازًا عظيمًا فى الأيام الأخيرة، أن تخرج أصوات لتسخر أو تقلل من هذا الإنجاز، على أساس أن الفرق التى قابلناها ضعيفة؟ هل بلجيكا ضعيفة؟!


نفس الأمر ينطبق على موقف النقاد من مصطفى شوبير حيث تحدث البعض أنه يلعب فقط اعتمادًا على قاعدة «أبناء العاملين». هؤلاء ركزوا فقط أنه ابن أحمد شوبير. لم يدققوا فى مستواه الفنى والبدنى والذهنى، ولولا أن هذا الشاب يتميز بثبات انفعالى وشخصية قوية، لربما تم القضاء على مستقبله الرياضى بالكامل بسبب قسوة ما تعرض له من انتقادات ثبت لنا جميعا الآن أنها غير صحيحة.


نفس هذا الصنف من النقاد وجه لومًا شديدًا لحسام حسن بسبب اختيارات اللاعبين. لا يدرك هؤلاء أن الاختيارات حق أصيل للمدير الفنى، طالما أنه سيتم محاسبته على اختياراته. ومن سوء حظ هؤلاء «المنتقدين الانطباعيين» أن اختيارات حسام ثبت أن معظمها جيدة خصوصا مصطفى زيكو الذى سجل فى البرازيل وفى نيوزيلندا وصنع هدفًا جميلًا لمحمد صلاح.


وبمناسبة صلاح فإن هؤلاء النقاد بـ«الحتة» سبق لهم أن أشادوا بصلاح بصورة غير منطقية، ثم غيروا آراءهم وطالبوه بالاعتزال الدولى، لمجرد عدم التوفيق فى مباراة أو بضع مباريات.


وحتى لا يتم فهم كلامى خطأً، أود التأكيد على أن من حق الجميع أن يبدى رأيه فى كل شىء. لكن هناك فارقًا بين مشجع يجلس مع أصحابه على المقهى ويفتى فى كل شىء أو من يكتب على صفحته الخاصة صغيرة العدد من المتابعين، وبين من يصنف نفسه كاتبًا وناقدًا وخبيرًا. هذا النوع الأخير ينبغى أن تكون لديه معايير موضوعية ثابتة قدر الإمكان، وألا يغير رأيه حسب نتيجة المباراة الواحدة، فإذا فاز الفريق فهو الأفضل، حتى لو كان الفوز بهدف مشكوك فيه، وإذا انهزم يخسف به الأرض حتى لو قدم أفضل أداء ممكن!


من سوء الحظ أن وسائل التواصل الاجتماعى ساهمت بشكل كبير فى انتشار ظاهرة النقاد الانطباعيين، الذين يفتون فى كل شىء، ليس بشكل منهجى وموضوعى، ولكن بـ«الحتة» وحسب الحالة المزاجية الخاصة والعامة.


أخيرًا وحينما أكتب فى هذا الموضوع فلا يمكن أن أنسى أحد أهم أفضل النقاد الرياضيين فى مصر والوطن العربى. الأستاذ الكبير حسن المستكاوى الذى نكرر الدعوة له بسرعة الشفاء ،حتى تتعلم الأجيال الجديدة كيف تكون ناقدًا موضوعيًا وأمينًا ونزيهًا والأهم كاتبًا محترفًا يقدم «السهل الممتنع».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved