دمعتان من نار

محمد عصمت
محمد عصمت

آخر تحديث: الخميس 23 يوليه 2009 - 5:34 م بتوقيت القاهرة

 57 عاما مرت أمس على ثورة 23 يوليو، ولاتزال تناقضاتها وأسئلتها الغامضة تحير عقولنا.. فهذه الثورة التى غيرت حياة المصريين بتحولات اجتماعية هائلة، سلبت منهم حريتهم بمنتهى العنف..

وكما أعطت الثورة للفقراء حقوقا لم ينالوها ربما فى أغلب فترات تاريخنا، فقد فتحت السجون والمعتقلات أمام شرفاء ووطنيين انحازوا لهؤلاء الفقراء..

وكما اشترطت أن يتكون البرلمان من 50% من العمال والفلاحين، فقد سمحت للإقطاعيين السابقين وأولادهم الأفندية باحتلال نصف البرلمان!!

وعلى مدار سنوات قبل وبعد رحيله فى 28 سبتمبر 1970 كان مشروع عبدالناصر يتآكل قطعة وراء قطعة، حتى فى حياته هو شخصيا وأمام عينيه.. فالحرية التى رفعها شعارا ظلت كما هى مجرد شعار، لم يطبق على أرض الواقع خوفا من أن تعطى هذه الحرية المجال لحركة أعداء الثورة لضربها.. ومع الشعور بالخوف من توجيه أى نقد للتجربة، انفتح المجال أمام المنافقين والانتهازيين لقيادة مؤسسات الثورة..

وحتى الاشتراكية التى استخدمها عبدالناصر لتحقيق العدالة الاجتماعية وإعطاء الفقراء حقوقهم الإنسانية فى التعليم والصحة السكن، أفرزت ظاهرة القطط السمان الذين كونوا ثروات صغيرة تحت عباءة النظام واستغلالا للنفوذ، ثم انقلبوا بمنتهى الوحشية على كل هذه المنجزات بعد رحيل عبدالناصر بسنوات قليلة.. أما الوحدة فقد كانت مشروعا مؤجلا حتى يتم بناء الاشتراكية فى كل الدول العربية!

وكل هذا يمكن قبوله ــ ولو على مضض ــ باستدعاء كل التجارب الإنسانية للتأكد من أنه لم توجد تجربة سياسية بلا أخطاء فى التطبيق، ولم تولد بعد ثورة اجتماعية كبرى كثورة 23 يوليو لم يرتكب قادتها أخطاء وخطايا فى حق الحرية، خوفا من «الثورة المضادة».. ولكن ما يثير القلق فعلا الآن، هو اختفاء الروح التى ميزت الشعب المصرى وهو يواجه الاحتلال الإنجليزى.

وهو يؤيد تأميم قناة السويس وبناء السد العالى، وأيضا وهو يتحدى النكسة فى مظاهرات 9 يونيو 67 التى انطلقت فى شوارع مصر كلها تهتف لجمال عبدالناصر «هنحارب»، وهو ما تجسد فى انتصار أكتوبر 73 الذى شهد آخر لمسة ناصرية فى مصر السادات!

لم يعد المشروع الناصرى هو المهم الآن.. ولم يعد الاختيار بين اشتراكية ناصر أو لينين أو ستالين أو تروتسكى هى القضية المطروحة حاليا.. ولم يعد مهما إدانة عبدالناصر بأنه أجهض مشروعا ليبراليا كانت مصر تتمتع بحيويته قبل قيامه بثورته..

فنحن الآن أمام مصريين مختلفين يخوضون معاركهم الطاحنة فى طوابير الخبز وإشارات المرور تتخللها هدنة يومية ينتظرون على المقاهى والنواصى مالا يجىء..

وفى عامها السابع والخمسين لم يتبق من الثورة إلا.. دمعتان من نار تسيلان على الخد، وذكريات حميمة عن انتصارات مجيدة وهزائم مأساوية، وأغانى ثورية نسمعها فى المناسبات دون أن تحرك القلب كما كانت تفعل من قبل، وصورة على حوائط قديمة لزعيم مات ــ كما يقال ــ قبل آوانه وقبل أن يحقق أحلامه وأحلامنا اسمه.. جمال عبدالناصر!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved