منتخبنا المصرى.. منتخبنا العربى
سمر عادل
آخر تحديث:
الخميس 23 يوليه 2026 - 7:19 م
بتوقيت القاهرة
انتهى كأس العالم لكرة القدم، واحتفلت إسبانيا باللقب، وكالعادة فى مثل هذه الاحتفالات الكبرى ينشغل الناس بالحديث عن بطل كأس العالم، وهو أمر يستحق. ولكن بعد أن هدأت الضجة، أعود للحديث عن منتخبنا المصرى، ليس لأننا فزنا بالكأس، ولا لأننا وصلنا إلى النهائيات، بل لأن هذا المنتخب ترك شيئًا أكبر من النتائج. ترك إحساسًا بالفخر، وأعاد إلينا الإيمان بأن الكرة المصرية، والكرة العربية، قادرتان على الوقوف أمام كبار العالم. وربما لهذا السبب أكتب اليوم، بعد انتهاء البطولة، لأن ما قدمه هذا المنتخب يستحق أن يُروى، وأن يبقى فى الذاكرة، حتى بعد أن غادرت المنتخبات ملاعب المونديال.
ما صنعه المنتخب المصرى فى بطولة كأس العالم 2026 تجاوز حدود الملعب الأخضر. ففى هذه اللعبة الساحرة بدا وكأن حسام حسن يريد أن ينسج منها ملحمة مصرية وعربية عنوانها الإيمان بالقدرات والإصرار. عندما دخل المنتخب إلى البطولة كانت التوقعات متباينة، ولكن فى أغلبها لم تكن طموحة. ومع كل مباراة كان الحماس يزداد، ويزداد الطموح، وبدلًا من البحث عن خروج مشرّف، أصبح الطمع فى تحقيق الفوز. وأكثر ما ميّز المنتخب المصرى فى هذه البطولة تلك الروح الطموحة التى ظهرت فى معظم المباريات. وكان جميع اللاعبين يعملون من أجل هدف واحد، هو رفع اسم مصر أمام العالم.
وكان لهذا الالتزام والانضباط أثره الواضح فى الأداء، حتى حظى المنتخب المصرى بإشادة الجماهير والمحللين، واحترام المنافسين، بل وقلقهم أيضًا، بخاصة أنهم أدركوا أنهم أمام منتخب لا يستسلم بسهولة. وفى المباراة الأخيرة أمام المنتخب الأرجنتينى، قدم المنتخب المصرى واحدة من أفضل مبارياته فى البطولة، وكان قريبًا من تحقيق إنجاز تاريخى، لولا الظلم التحكيمى وأخطاء أخرى. ورغم الخسارة، فإن الأداء الذى قدمه اللاعبون منح الجماهير شعورًا بالفخر أكثر مما منحهم الإحباط. ولا يمكن الحديث عن هذه الملحمة دون التوقف أمام شخصية المدير الفنى حسام حسن، الذى نقل إلى لاعبيه عقلية المحارب فى ميدان المعركة، وأقنعهم بأن الفارق الحقيقى لا تصنعه الإمكانات وحدها، وإنما تصنعه الإرادة والانضباط والإيمان بالفكرة. لذلك ظهر المنتخب المصرى بصورة مختلفة، يؤمن بأن لكل مباراة فرصة جديدة لأمل أكبر.
لم يتوقف الإنجاز الحقيقى عند حدود الأداء داخل الملعب، بل امتد إلى أرجاء الوطن العربى، وكل بيت عربى. فقد تحولت مباريات المنتخب المصرى إلى مناسبة عربية خالصة، والتفت الجماهير العربية حوله بصورة لم نشهدها منذ سنوات طويلة. فمن المحيط إلى الخليج العربى، ارتفعت الأعلام المصرية، وكأن الجميع اتفق على أن هذا المنتخب لا يمثل مصر وحدها، وإنما يحمل آمال الأمة العربية بأسرها. وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى ساحة احتفال عربية، امتلأت بكلمات الفخر والدعاء والدعم. وفى كل مباراة كان العرب يشعرون بأنهم يلعبون مع المنتخب، ويفرحون لفرحه، ويحزنون لحزنه، فى صورة جسدت أجمل معانى الانتماء العربى.
أحيا المنتخب الإيمان بالحلم والسعى لدى ملايين الشباب، وأن الأحلام الكبرى لا تتحقق بالصدفة، وإنما بالإصرار والعمل والاجتهاد، فى أى مجال. فالطريق إلى النجاح قد يكون طويلًا وصعبًا، لكنه ليس مستحيلًا أمام من يملك الإرادة. وبالعودة إلى الساحرة المستديرة، لدينا نماذج عبر التاريخ، ولكن سأقف عند محمد صلاح، وهو الأكثر نجاحًا فى تاريخ الكرة المصرية، فهو لم يصل إلى مكانته العالمية لأنه كان الأكثر حظًا، وإنما لأنه كان الأكثر إصرارًا على تحقيق حلمه. وهذا هو الدرس الحقيقى الذى قدمه المنتخب المصرى فى كأس العالم. فقد أثبت أن الثقة بالنفس، والعمل الجماعى، والإيمان بالهدف، يمكن أن تصنع ما كان يراه البعض بعيد المنال. وربما يكبر طفل شاهد هذه البطولة وهو أكثر إيمانًا بأن أحلامه يمكن أن تتحقق، ليس فى كرة القدم فقط، وإنما فى أى مجال يختاره لنفسه.
وحتى مشهد الخروج من البطولة كان مشهدًا مشرفًا. فلم يغادر المنتخب وهو يحمل شعور الهزيمة، بل خرج بعدما قدم كل ما لديه، وكسب احترام العالم، وترك أثرًا كبيرًا لا يُنسى بسهولة. فليس كل من يغادر المنافسة يكون خاسرًا، فهناك من يخرج وقد ربح تقدير الجميع. وسيظل هذا المنتخب حاضرًا فى وجدان الجماهير، ليس لأنه حمل كأس العالم، وإنما لأنه أعاد إلينا الثقة فى أنفسنا، وأننا قادرون على تحويل الأحلام الكبيرة إلى واقع. شكرًا منتخبنا المصرى… شكرًا منتخبنا العربى.
كاتبة وباحثة فى الاقتصاد السياسى والدولى