دستور جديد؟ وماذا فعلنا بالقديم؟
محمد بصل
آخر تحديث:
الخميس 23 يوليه 2026 - 7:15 م
بتوقيت القاهرة
في السنوات الأخيرة تحولت المطالبة بإعداد دستور جديد إلى وسيلة للظهور والترويج الشخصي والإعلامي.
ظاهرة تتجلّى في فترات الركود، حيث لا انتخابات ولا منافسة ولا مسائل سياسية كبرى يُتاح الجدل حولها بصورة منتجة، فتطفو على السطح تلك الدعوات المنفصلة عن الواقع الحقيقي وشواغل الشارع، محاوِلةً الالتحاف بأفكار تتناثر بين الحين والآخر بشأن تعديلات دستورية.
وقبل التطرق إلى المشاكل الدستورية الفعلية التي يتناساها دائمًا المطالبون "عمّال على بطّال" بدستور جديد، يجب الانتباه إلى فارق جوهري بين "تعديل الدستور" و"دستور جديد".
فالتعديل ربما يُطرح في أي وقت لتلبية أهداف سياسية معينة كما حدث عام 2019، لكن المطالبة بدستور جديد تستند في جوهرها إلى محاولةً إلغاء الشرعية التي يقوم عليها دستور 2014 وهي "ثورة 25 يناير – 30 يونيو" وما رسّخته من مكتسبات إيجابية في مجال الحقوق والحريات انتزعها المصريون انتزاعًا من خلال مشاركتهم الكثيفة في مظاهرات مليونية لأسابيع طويلة قدم خلالها آلاف الشهداء والمصابين أرواحهم ودماءهم قرابين للحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
وحتى إذا تعرضت تلك المكتسبات في بعض الفترات للتجاهل أو الالتفاف فإن بقاءها كحدود صارمة للشرعية الدستورية ولحماية الحقوق الشخصية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، وتدعيمها إطار حاكم لمشروعية القوانين والقرارات، يظل أمانةً.. أمانة بالكلمة والفعل.. تستحق عناء النقاش الصفري والمعارك المكلّفة، من أجل مستقبل الأجيال القادمة.
ولست هنا في معرض تعداد إيجابيات وسلبيات الدستور بعد 13 عامًا من وضعه كما أؤمن بوجوب تقييم آثاره بصورة علميّة مُحكّمة ورصينة.
ومن هذا المنطلق، أليس من الأفضل أن يتجه المطالبون بإعداد دستور جديد إلى بحث موضوعي في مؤشرات نجاح الدستور الحالي أو فشله، ودراسة أحكامه التي مازالت حبرًا على ورق على الرغم من صلاحيتها الكاملة للتطبيق، وتحليل المواد التي تتطلب سن التشريعات مكمّلة للدستور، والبحث في أسباب تأخر بعضها حتى الآن، والمبادئ التي استحدثها الدستور ولم تًترجم واقعيًا ولم يشعر بها المواطن مع أنها كانت تستهدف النهوض بأحواله المعيشية؟
لم نسمع أحد المطالبين بدستور جديد يتحدث عن مغبة غياب قانون الإدارة المحلية الذي ألزم الدستور الدولة بوضعه لتنظيم انتخاب المحليات وعملها ومراقبة الأنشطة والأعمال داخل المحافظات وممارسة الرقابة على الأجهزة التنفيذية الإقليمية، وما أدى إليه ذلك من ركود المجال العام ونقص الكوادر المؤهلة وتكريس السلبيات في الشارع كأوضاع مسلّم بها، بما يبث شعورًا لدى كثيرين بالفراغ الرقابي على المستوى المحلي، كما أشار الزميل شريف حربي في تحقيقه المنشور بـ"الشروق" في 15 يوليو الجاري.
لم يرتفع صوت أحد المطالبين بدستور جديد مطالبًا بتطبيق الاستحقاق الدستوري في المادة 68 بإصدار قانون لحرية تداول المعلومات يكفل حق الإتاحة والإفصاح وتوفير المعلومات بشفافية، حتى لا يكون للأكاذيب مكانٌ تحت الضوء. وهذه خطوة حيوية للمواطنين والحكومة والإعلام والاقتصاد، في خضم محاولات الحكومة لاجتذاب المستثمرين وتعزيز تنافسية الأسواق المصرية، وفي ظل أخطار توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات التزييف العميق.
ولم يلفت نظرهم التراخي في إنشاء مفوضية مستقلة لاتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز وفقًا للمادة 53، وهي فكرة نشأت على خلفية إرث مسيء من التمييز على أساس اللون والدين والأصل والعرق. نعم، نلمس اليوم خطوات جادة وعاجلة من أجهزة الدولة للتحرك في هذا الاتجاه خاصة بشأن الوقائع التي تثار عبر مواقع التواصل الاجتماعي (كان آخرها موقف استبعاد الطفل مكاري يونان من اختبارات نادي الاتحاد السكندري والتي تحركت فيها وزارة الرياضة بسرعة ونجاعة) لكن الهدف المنشود من المفوضية يتخطى ذلك إلى تطوير المناخ وتغيير الثقافة ومراقبة تصرفات الحض على الكراهية والتحريض على الآخر.
وحتمًا، لا ينشغل المطالبون بدستور جديد بالفجوة بين الواقع والنص الدستوري الصريح في المادة 71 الذي يحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية وأكدت عليه أحكام عدة من المحكمة الدستورية العليا، حيث لم يصدر حتى الآن تشريع جامع مانع يبسط مظلة الحماية الدستورية ويضمن تفعيلها في كل المناسبات.
هذه فقط "بعض" أوجه القصور في تفعيل نصوص الدستور الحالي، تقتضي المصلحة العامة تضمينها في أي برنامج حقيقي ومُخلص للإصلاح التشريعي والتنفيذي تحت قبة البرلمان وخارجه، بعيدًا عن استسهال الدعوات الاستعراضية التي تتسم -في الأغلب- بخواء المضمون.