التحول غير المكتمل فى ليبيا.. لماذا تمتد الأزمة إلى ما هو أبعد من عام 2011؟
يوسف محمد الصواني
آخر تحديث:
الأحد 23 أغسطس 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
بعد خمسة عشر عاما من انتفاضة فبراير 2011 ما زالت ليبيا تبحث عن إجابة سؤال لماذا لم يكتمل التحول؟ لذلك فإن تتبع المسار السياسى الحديث للبلاد، من الملكية السنوسية إلى أربعة عقود من حكم القذافى ثم محاولات الإصلاح وانتفاضة 2011 والتدخل الذى قاده حلف شمال الأطلسى ثم الانقسام الذى أعقب سقوط النظام، شرط أولى لأى تفسير لعدم الاستقرار وتعثر بناء الدولة.
تكتسب الإجابة أهميتها لأن ليبيا وما تعرضت له من أزمة لا تتم مناقشتها غالبا إلا ضمن مفردات الفشل فتوصف بأنها دولة مجزأة، أو مجتمع عاجز عن تجاوز انقساماته إلى غير ذلك من التوصيفات والتصنيفات. هذه الأوصاف تلتقط جوانب من المأزق لكنها لا تفسره، فانهيار مؤسسات الدولة لا يعنى أن المجتمع بلا مؤسسات، والتجزؤ السياسى لا يعنى غياب الهوية الوطنية والدولة التى رسمت حدودها الدبلوماسية الدولية لا تعنى أن جماعتها (الشعب) نشأت من الخارج.
الحاجة إلى فهم تاريخى أعمق
تشكلت الدولة الليبية الحديثة من تفاعل تاريخى طويل بين قوى محلية وأخرى خارجية لعل أبرزها الحكم العثمانى والاستعمار الأوروبى والاحتلال الإيطالى والحرب العالمية الثانية والمفاوضات التى أحاطت بالاستقلال ثم الحرب الباردة واكتشاف النفط. لكن تأثير الخارج لا يلغى الفعل المحلى، فالتاريخ الليبى حافل بالمقاومة والتفاوض والتعبئة وبتضامن لا يختزل فى حدود رسمتها الدبلوماسية لاحقا. ولهذا فإن الأطروحة التى اختصرت ليبيا فى كونها دولة «عرضية» وشددت، كما لخص ديرك فاندوال، على صعوبة بناء الولاء السياسى والهوية الوطنية فى عهد الملك إدريس السنوسى، تحتاج إلى مراجعة. وكما أناقش فى كتابى الصادر حديثا عن دار نشر بالغريف ماكميلان بعنوان «صراع ليبيا وتحولها غير المكتمل: الملكية، الدكتاتورية، معضلة الإصلاح، وخيانة مسئولية الحماية» (Libya’s Struggle and Unfinished Transformation: Monarchy, Dictatorship, the Reform Dilemma, and the Betrayal of R2P)، فالتحدى بعد 1951 لم يكن إنشاء أمة غير موجودة بل بناء مؤسسات تستوعب داخل دولة واحدة شبكات ومصالح وهوية ناشئة. وبينما أضاف اكتشاف النفط لليبيا وأهلها موارد لم تكن متصورة، فإن ذلك لم يكن بدون ثمن، فقد جاء مع النفط ما تفرضه شروط اقتصاد الريع الذى صارت فيه الدولة الموزع الرئيسى للفرص.
من الملكية إلى القذافى
حدثت حركة الضباط الأحرار عام 1969 فى سياق إقليمى ودولى صراعى وسياق محلى عرفت فيه البلاد ضعف المؤسسات والاستياء أو الرفض الشعبى المتزايد لسياسات الملكية والمعارضة للنفوذ الغربى. لذلك، كان من الطبيعى أن تقدم تلك الحركة وقادتها نفسها ثورة تستعيد السيادة وتقيم نظاما يستند إلى العروبة والاشتراكية والمشاركة الشعبية. لكن ما تلا ذلك لم يحل مشكلة بناء الدولة بل غير شكلها فقط، فقد قدمت الجماهيرية نفسها بديلا عن المؤسسات التمثيلية ونظاما للحكم الشعبى المباشر وعملت منذ ما سمى بالثورة الشعبية والثقافية عام 1973 على تفكيك ما اعتبره النظام هياكل موروثة. لكن ذلك لم يكن يعنى أن ليبيا أصبحت لا شىء من الناحية المؤسسية، فخلافا لأطروحة التصحر المؤسساتى لم تختف مؤسسات الدولة لكن استقلالها تراجع لصالح السلطة الشخصية والأجهزة الأمنية وشبكات المحسوبية. وهنا يجب التمييز بين الاستقرار السلطوى وقوة المؤسسات، فقد بقى النظام عقودا يسيطر ويوزع الريع ويقمع المعارضة لكن قدرته على البقاء ليست قدرة الدولة على بناء مؤسسات صامدة وقد خلق تآكل استقلالها ضعفا انكشف تحت الضغط.
معضلة الإصلاح
أدرك النظام حاجة ليبيا إلى إصلاح اقتصادى وإدارى وإلى إعادة الاندماج فى النظام الدولى وفتح التحول الجيوسياسى الذى بدأ عام 2003 إمكانات جديدة، فسعت مبادرة «ليبيا الغد» وغيرها إلى تحديث أجزاء من الاقتصاد والإدارة. غير أن الإصلاح احتاج إلى مؤسسات أكثر استقلالا ومساءلة بينما كان النظام قائما على العلاقات غير الرسمية التى يهددها الإصلاح أو التغيير. وتكشف التجربة وما واجهه الإصلاحيون من معوقات أن ما جرى ليس حالة فريدة أو مسألة ليبية خالصة. فالأنظمة السلطوية قد تدرك الحاجة إلى الإصلاح دون أن تقبل نتائجه السياسية، فتحرر أجزاء من الاقتصاد دون أن تمس السيطرة وتستعين بالخبراء الأجانب مع تضييق المجال الذى تعمل داخله توصياتهم، فلا تحل الخبرة الإدارية مشكلة سياسية ما دامت المؤسسات خاضعة للسلطة الشخصية. ولعل هذا يفسر لماذا لا ينبغى اختزال 2011 فى ثورة مفاجئة صنعتها وسائل التواصل أو الربيع العربى ولا فى حدث صنعه الخارج رغم دوره الحاسم لاحقا. فقد عكست قوة الانتفاضة مظالم تراكمت مثل الإقصاء السياسى وتقييد المعارضة والإحباط الاقتصادى وحاجة عميقة إلى الكرامة، وحين بدأت الاحتجاجات فى فبراير 2011، حول رد فعل النظام حركة مطلبية إلى صراع على بقائه.
التدخل الدولى وما بعده
أجاز مجلس الأمن اتخاذ ما يلزم من إجراءات بدعوى حماية المدنيين وفرض حظر جوى ثم نفذ حلف شمال الأطلسى عملية «الحامى الموحد» حتى أكتوبر 2011. لكن السؤال الأهم هو ما حدث بعد التدخل، فالعمل العسكرى يغير توزيع القوة ولا ينشئ مؤسسات شرعية، ويسقط نظاما ولا يبنى دولة. وقد ترك انهيار النظام المؤسسات الوطنية ضعيفة وبرزت المجموعات المسلحة والسلطات المتعددة وظلت أسئلة توزيع السلطة والموارد بلا حسم. ورغم إجراء عدد من الانتخابات والترتيبات الدستورية والمؤسسات الانتقالية، فهذه جميعها عملت فى بيئة لا تملك فيها الدولة احتكارا غير متنازع عليه لاستخدام القوة. ولهذا ينبغى الحذر من جعل الانتخابات المقياس المركزى للتحول، فهى تمنح تمثيلا ولا تصنع توافقا، والدستور يضع قواعد ولا يخلق وحده اتفاقا على شرعيتها، والعدالة الانتقالية تعالج انتهاكات الماضى ولا تنتج مصالحة إذا ارتبطت بالإقصاء السياسى.
الدولة والهوية والمجتمع
يحتاج بناء الدولة إلى أكثر من تصميم المؤسسات إذ يحتاج إلى جماعة سياسية تقبل قواعد مشتركة، ومن هنا تصبح الهوية الوطنية مركزية فى أى نقاش حول واقع البلاد ومستقبلها. لذلك، لا يصمد التفسير الشائع الذى يتناول الجهوية والقبلية والتنوع الإثنى بوصفها دليلا على غياب الهوية الجامعة. فالهوية الليبية لم تكن يوما خالية من مضمون سياسى وهى تتشكل من تفاعل الانتماء العربى الإسلامى والهويات المحلية والقبلية والإثنية كما توضح تجارب الأمازيغ والطوارق والتبو أنه لا يمكن تفسير عودة هذه الهويات باعتبارها دليلا على تفكك الدولة الوطنية.
فالدولة القادرة على العمل لا تحتاج إلى اختفاء الهويات الاجتماعية، بل إلى مؤسسات تنظمها سياسيا دون أن تتحول إلى أساس للإقصاء الدائم. وينطبق ذلك على القبيلة التى كثيرا ما قدمت نقيضا للدولة الحديثة وهو تبسيط مخل، ذلك أن مراجعة سريعة لتاريخ ودور القبيلة يؤكد أن شبكات القرابة وفرت حماية ووساطة وتضامنا حين غابت المؤسسات الرسمية. لذلك، يصبح السؤال ليس هل تختفى القبائل، بل كيف تتعايش البنى الاجتماعية مع مؤسسات المواطنة والمساءلة.
لقد أخفقت النخب السياسية مرارا فى بناء مؤسسات تدير التنوع وتضارب المصالح وتفاقم ذلك بالبنية الريعية للاقتصاد. فحين يفتح التحكم فى الدولة باب الريع تصير المنافسة السياسية منافسة على الدولة نفسها. ويفسر ذلك تعثر الإصلاح المؤسسى قبل 2011 وبعدها، كما يفسر لماذا لا تحتمل المصالحة أن تعامل كمسألة ثانوية. فليبيا تحتاج إلى تسوية اجتماعية أوسع من اتفاق النخب على المناصب وتقاسم السلطة لتعالج إرث الحكم السلطوى ونتائج صراع 2011 وانتشار السلاح والمظالم الجهوية. وما دون ذلك تبقى الحلول الخارجية دورة تنتج فائزين وخاسرين جددا، ولهذا تصبح المصالحة الوطنية والعقد الاجتماعى الجديد فى قلب أى نقاش جاد حول مستقبل ليبيا.
الحاجة إلى مسار ليبى
إن التحول غير المكتمل ليس دليلا على عجز الليبيين عن بناء الدولة ولا يثبت أن السلطوية كانت ضرورية لضبط المجتمع، بل يكشف نتائج ضعف المؤسسات والحكم الفردى وفشل الإصلاح والتدخل الخارجى. تملك ليبيا موارد وشبكات اجتماعية وإحساسا بالانتماء والهوية الجامعة وهى كافية لتسند إعادة البناء لكن المطلوب تحويلها إلى مؤسسات شرعية كما سيستلزم ذلك اقتصاد يوزع عائدات النفط دون محسوبية ومؤسسات أمنية تستعيد احتكار الدولة للقوة المشروعة.
ليبيا لم تفشل عام 2011، بل دخلت ذلك العام وهى لم تحسم ما يتضمنه بناء الدولة من مشاكل وتحديات ولم يؤد التدخل الخارجى ومراحل الانتقال المتكررة إلى حل تلك المشاكل بل زادتها تعقيدا. يبقى التحول فى ليبيا غير مكتمل لأن السؤال الأساسى لم يحسم بعد وخاصة ما يتعلق بأى جماعة سياسية يريد الليبيون بناءها وما المؤسسات القادرة على منح هذا الاختيار شكلا مستداما؟ مثلما لا يجيب عليها بل يعرقل فرص الحل التدخل الخارجى الذى أحال الداخل لمجرد وكلاء. كما أن الحل لا يتحقق بالعودة إلى الحكم السلطوى أو العسكرى وإنما عبر عملية سياسية يستعيد فيها الليبيون قدرتهم على التفاوض حول اختلافاتهم وبناء مؤسسات تستمد شرعيتها من المجتمع الليبى، فالتحول غير مكتمل لكن ذلك ليس تشخيصا للفشل بل دعوة إلى العمل الجاد والوطنى لاستكماله.