متى يُنْشَأ متحف لتاريخ يهود مصر؟
جورج فهمي
آخر تحديث:
الأحد 23 أغسطس 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
أصرَّ صديقى التركى أن يصحبنى معه إلى زيارة متحف يهود تركيا بالقرب من برج جالاتا الشهير على الجانب الأوروبى من مدينة إسطنبول. يضم المتحف الكثير من القطع الأثرية التى تحكى تاريخ يهود الدولة العثمانية، التى تحولت إلى الجمهورية التركية فى عام 1923. يحكى المتحف قصة اليهود الأتراك الممتدة لأكثر من 2400 عام، والتى كان أكثرها حيوية وثراءً إبان فترة حكم الدولة العثمانية، حين رحب السلطان بايزيد الثانى باستقبال اليهود الفارين من الاضطهاد فى إسبانيا نهاية القرن الخامس عشر. وبجانب عرض تاريخ ومقتنيات اليهود الأتراك، فإن المتحف يروى أيضًا تاريخ كيف عاملت الدولة العثمانية، وبعدها الدولة التركية، رعاياها من اليهود. فيضم أحد جوانب المتحف، على سبيل المثال، قصة الدبلوماسيين الأتراك فى فرنسا خلال الاحتلال النازى، والذين نجحوا فى إنقاذ المئات من اليهود الأتراك من الترحيل من فرنسا إلى معسكرات الموت النازية. رفض هؤلاء الدبلوماسيون قرار القوات الألمانية بإرسال اليهود الأتراك إلى معسكرات الإبادة، وصعد بعضهم بنفسه إلى قطارات الترحيل، رافضًا النزول حتى أُطْلِقَ سراحهم. لم يسعَ هؤلاء الدبلوماسيون فقط لإنقاذ اليهود الأتراك، بل كذلك اليهود الذين لا يحملون أوراقًا للهوية، طالبين منهم بأن يرددوا جملة «أنا تركى» باللغة التركية، حتى يعطوهم جوازات سفر تركية ليحموا بذلك الكثير منهم من الترحيل إلى المعسكرات النازية. وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الدبلوماسيين الأتراك فى أوروبا نجحوا فى حماية نحو ألفى يهودى من الموت، بإعطائهم هويات تركية ومساعدتهم على السفر إلى تركيا.
تجربة زيارة المتحف غنية بلا جدال، فيدخل الزوار بهدف التعرف على تاريخ وحياة اليهود الأتراك، لكنهم يخرجون بما هو أكثر من ذلك. فمن خلال سرد قصة اليهود الأتراك، يقدم المتحف سردية أكثر شمولًا عن التسامح داخل المجتمع التركى والدولة التركية، وقبلها الدولة العثمانية، وكيف تعامل كلاهما مع اليهود بمحبة وتسامح، وصلا إلى حد إنقاذهم من محاكم التفتيش فى إسبانيا نهاية القرن الخامس عشر والمحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
وهكذا هى المتاحف، وهذا هو دورها. فإن المتاحف ليست أماكن محايدة تعرض قطعًا أثرية فحسب؛ بل هى مساحات لتشكيل القيم الاجتماعية والهوية الوطنية، وكذلك لبناء الذاكرة التاريخية.
وبعد جولة استمرت لعدة ساعات فى المتحف، فإن السؤال الذى تبادر إلى ذهنى هو: لماذا لا يوجد فى مصر متحف مماثل يروى تاريخ يهود مصر، وهو تاريخ غنى بمساهماتهم فى الحياة الثقافية والاقتصادية والدينية، والذى اتسم أيضًا بالتسامح بين المكونات الدينية المختلفة للمجتمع المصرى، وهو قادر على بناء سردية مشرقة عن تاريخ العلاقة بين المصريين، بطوائفهم المختلفة، فى معظم الفترات التاريخية؟
عاش اليهود على أرض مصر لأكثر من 2600 عام قبل أن تبدأ أعدادهم فى التناقص إلى حد بعيد بعد 1952، حتى صارت السيدة ماجدة هارون، رئيسة الطائفة اليهودية اليوم، هى آخر يهودية مصرية من أب وأم يهوديين.
ففى مصر وُلد موسى النبى، وبدأ دعوته فيها، وعلى أرضها تلقى لوحى الشريعة. كما عاش فى مصر أيضًا موسى بن ميمون، الذى كان نقيبًا للطائفة اليهودية، وطبيبًا خاصًّا للسلطان صلاح الدين الأيوبى. وثمة تعبير متداول بأن «لم يأتِ بعد موسى (النبى) إلا موسى بن ميمون». ويقال: إذا كان موسى هو من كتب التوراة، فابن ميمون هو مَن نظمها وحددها وأرسى قواعدها.
وخلال فترة حكم أسرة محمد على، استقبلت مصر أعدادًا كبيرة من اليهود، الذين ساهموا فى مشروع بناء الدولة المصرية الحديثة، وشاركوا بفعالية فى الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية.
استمر الحال دون تغيير حتى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، حين بدأ التوتر بين الطائفة اليهودية وبقية المجتمع المصرى. استمر التوتر فى التزايد خلال السنوات التالية، وخاصة مع حركة الضباط الأحرار فى 1952 وما تبعها من مواجهات عسكرية بين مصر وإسرائيل خلال عامى 1956 و1967. ويروى رونالد شيكوريل فى مذكراته أنه من بين 80 ألف يهودى مصرى، لم يتبقَّ بعد عام 1956 سوى عدة مئات. كما غادرت كل العائلات اليهودية الكبيرة من رواد الأعمال خلال الفترة ما بين حربى 1956 و1967، ومنهم عائلة شيكوريل نفسها.
وتجدر الإشارة فى هذا الشأن إلى رفض الكثير من يهود مصر للمشروع الصهيونى، وكذلك احتلال إسرائيل لفلسطين، بل وناضل الكثير منهم من أجل حقوق الشعب الفلسطينى طوال حياتهم. هذا هو حال الراحل شحاتة هارون، اليهودى المصرى اليسارى الذى ناضل ضد إسرائيل والصهيونية، وكذلك دافع عن حقوق المصريين من خلال عمله كمحامٍ. رفض هارون مغادرة مصر رغم الكثير من الضغوط والتضييق، وأقام فيها حتى وفاته فى 2001. تستحق قصة شحاتة هارون أن تُروى، وأن يسمعها المصريون وغير المصريين على السواء. وليس أفضل من متحف ليهود مصر كوسيلة لكى تصل قصة هارون إلى العالم. ومثل هارون الكثيرون عبر الحقب التاريخية المختلفة.
إن إنشاء متحف ليهود مصر لن يحكى فقط قصتهم، بل سيروى أيضًا قصة المصريين على اختلاف طوائفهم، والذين عاشوا معًا لقرون. فبينما كان اليهود فى أوروبا يعانون من الاضطهاد على يد النظام النازى، كان يهود مصر يعيشون فى سلام دون أى تهديد لحياتهم أو مصالحهم. شعروا بالخوف فقط مع تقدم القوات الألمانية إلى صحراء مصر الغربية، وانتهت مخاوفهم بهزيمة تلك القوات فى العلمين.
لا يقتصر دور المتاحف على عرض وحفظ المقتنيات التاريخية، بل إن لها دورًا مهمًّا فى بناء سرديات وطنية وسياسية. فإذا لم نقم نحن بتوثيق تاريخنا، فإن آخرين يسطون عليه، ويدعون أنه تاريخهم هم، ليرووا به هم سرديتهم السياسية، وهو ما تسعى إليه إسرائيل بالفعل.
فلأننا تجاهلنا تاريخ الوجود اليهودى فى مجتمعاتنا وإسهاماتهم الثقافية والاقتصادية، تروج إسرائيل كذبًا عبر أبواقها الدعائية إلى أن اليهود كانوا دومًا مضطهدين فى دول المنطقة، وأن لهذا كان إنشاء دولة إسرائيل ضروريًّا. كما تعيد إسرائيل كذلك استخدام رموز ثقافتنا العربية لتبرير سياساتها الاستعمارية. فقد أشار رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو فى نوفمبر 2023، على سبيل المثال، إلى موسى بن ميمون فى بيانه حول تحرير الأسرى لدى حركة حماس، حيث أكد نتنياهو أن عودة الأسرى الإسرائيليين هى مهمة مقدسة وعظيمة، وأنه ملتزم بتحقيقها مع زملائه من القيادات الإسرائيلية، مستشهدًا بقول موسى بن ميمون: «ليس هناك وصية أعظم من فداء الأسرى»، مضيفًا: «لن نتوانى فى جهودنا حتى نفديهم جميعًا، حتى نعيدهم جميعًا».
يستدعى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أقوال موسى بن ميمون مبررًا حرب الإبادة الجماعية التى يقوم بها ضد الشعب الفلسطينى، بينما موسى بن ميمون هو جزء من تاريخنا نحن، العرب والمصريين. وما ينطبق على موسى بن ميمون، ينسحب على كل تاريخ اليهود فى المنطقة العربية، فهو تاريخنا نحن، وليس تاريخ دولة إسرائيل. وتجاهل هذه الحلقة المهمة من تاريخنا، لا يحرمنا فقط، والأجيال القادمة، من معرفة جزء مهم من تاريخنا، لكنه يسمح أيضًا لأصوات إسرائيلية بأن تنسب هذا التاريخ ورموزه إلى نفسها، بل أن تعيد تفسيره لخدمة مشاريعها السياسية فى منطقتنا العربية.
مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربى ببيروت