برواز

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 23 سبتمبر 2021 - 8:05 م بتوقيت القاهرة

مضى وقت طويل لم يسافر فيه البرواز الذي يحتوي على صورة نادر إلى الخارج، لم يسافر لأن صاحبته هي نفسها لم تسافر.. قاتَل الله كورونا التي تحاصرنا من كل اتجاه. لو كان البرواز يحتاج إلى جواز سفر لأصبح لبرواز نادر عشرات الباسبورات التي عليها تأشيرات لمعظم بلاد الدنيا، فهو برواز رحّالة لا يفارق صاحبته التي تعمل في إحدى الهيئات الدولية وتحتاج بحكم طبيعة عملها إلى التنقّل الدائم. وفي كل تنقلاتها كان البرواز يستقر على الكومودينو المجاور لسريرها، أحيانًا يكون هذا الكومودينو عبارة عن ترابيزة خشبية تفتقر إلى إبداعات فن الزخرفة وهذا يحدث في أمريكا الشمالية، وأحيانًا أخرى يكون عبارة عن قطعة من الموبيليا الفخمة التي تكشف عن ولع تاريخي بصناعة الأثاث وهذا يحدث في أوروبا، خاصةً إذا كان الفندق الذي تنزل فيه صاحبتنا فئة النجوم الأربع (أما الخمس نجوم فإنها تلتهم الجزء الأكبر من بدل السفر)، وفي آسيا ودول مثل الهند وتايلاند وسنغافورة فإن الكومودينو قد يأخذ شكل دائرة زجاجية تستقر على ظهر فيل صغير بأنياب أو بدونها. والآن وهي تقوم بزيارة عمل لبلد عربي فإنها قد ثبتّت البرواز فوق كومودينو تقليدي من خشب الورد، وكالعادة وضعته بزاوية معينة تجعل وجه نادر أول ما تبدأ به يومها وآخر ما تقول له تصبح على خير.
•••
بدأت هذه العادة مع أول سَفرَة لنادر بمفرده بعد عامين من الزواج فهو قليل السفر بشكل عام. دسّت له بروازًا به صورتها في حقيبة سفره وهمسَت: ستخبرني صورتي بكل التفاصيل. في الحقيقة لم تكن بحاجة لعينٍ على نادر في أي مكان، فهو تمامًا مثل اسمه: نادر في علاقته بها، جاهز للثرثرة معها ومستعد للجلوس على كرسي الاعتراف ليحكي لها بنفسه كل التفاصيل. هي كانت تعرف ذلك من خبرتها المعقولة بشخصيته أثناء فترة الخطوبة، لكن كثيرًا من الرجال يحبون تملّق رجولتهم بمشاعر الغيرة التي تبديها الزوجات تجاههم، وبالنسبة لها فإنها لم تجد بأسًا من أن تُمَرِر له هذا الشعور المحبب إلى نفسه حتى وإن لم تتعامل هي بذات الروح الرياضية مع مسألة الغيرة عليها.. هذه الغيرة تهينها بل تقتلها، ولذلك وكأنها عقدت معه صفقة ضمنية على النحو التالي: هي تراقبه وهو يؤنسها، وليست كل الصفقات متعادلة. بالتدريج خلَقَت العادة أمرًا واقعًا خاصًا بهذا الثنائي وإن نسي طرفاه الظروف التي تبادلا فيها بروازيهما لأول مرة، فكل ما أصبحا متأكدَين منه وصار مألوفًا بالنسبة لهما أن نادر عشية كل سفرة لزوجته كان يتمم على وثائقها ومتعلقاتها: الباسبور والتذكرة والفلوس وآية الكرسي و…البرواز. صار هذا البرواز أكثر من مجرد إطار يحمل في داخله صورة، صار إطارًا للعلاقة الجميلة التي تربط بينهما، إنه وَنَس، وهمزة وصل، ووعد بلقاء، وحياة مشتركة، وعِشرة عمر. وبما أن البرواز صارت له أهمية وظيفية على هذا النحو، كان لابد له من أن يكون معبّرًا عن واقع الحال، فليس من المعقول أبدًا أن تكون السَفْرة مع برواز فيه صورة شاب عشريني تمتد سوالفه إلى منتصف خدّيه كما كانت الموضة خلال فترة السبعينيات، فهذا الشكل ليست له علاقة بنادر الآن، وفي الواقع فإنها لا تعرف بالضبط كيف واتت نادر الجرأة ليساير هذه الموضة وهو الحريص على وقار مظهره حد اللعنة. أما تلك الصورة العجيبة التي أراد بها المصوّر أن يخدم نادر فجعل بياضه قوقازيًا وعينيه زرقاوين فإنها أخذت وقتها واستنفدت صلاحيتها بعد أن انبهر الزوجان بألوانها بعض الوقت. هي أيضًا كانت تغيّر صورها داخل البراويز التي يحملها نادر. جذبَت الملاءة الرقيقة فوق جسدها، وكررَت على برواز نادر تحية المساء بعدما كانت أسمعته إياها عبر الهاتف.
•••
نحن لا نشعر أننا مختلفون إلا من خلال رد فعل الآخرين على تصرفاتنا، وبالتالي فعندما شهقَت زميلتها في الغرفة ذات مرة وهي تراها تخرج صورة نادر من حقيبة سفرها وتضعها بجوار سريرها، انتبهَت إلى أنها ليست مثلها وربما إلى أنها ليست مثل الكثيرات غيرها. كانت هذه الشهقة تالية على لحظات صمت عابرة حاولَت فيها زميلتها أن توجد صلة بين شريكتها في الغرفة ووجه الشخص الموجود داخل البرواز، فكل العلاقات طافت برأسها إلا علاقة الزوجية، إنه أكبر سنًا بالتأكيد من أن يكون ابنًا وأصغر سنًا بكثير من أن يكون أبًا، فمن تراه إذن؟ وعندما وقفَت الزميلة على حقيقة الأمر حررَت شهقة محترمة من بين ضلوعها، فعن نفسها فإنها ما أن تأتيها سفرة داخل مصر أو خارجها حتى تبلّغ فرارًا من أسرتها وتنسى الدنيا وما فيها. ثم أن هناك اختراعًا اسمه المحفظة ويمكن الاحتفاظ فيها بصور الأحباب، وأكثر الناس يفعل ذلك. وبالفعل فكّر الزوجان ذات مرة في احتفاظ كلٍ منهما بصورة الآخر داخل محفظته على سبيل التيسير، لكن الحب إعلان وهما يريدان من عمّال النظافة والصيانة والبوفيه وحامل الحقائب أن يعرفوا أن في هذا الفندق يوجد نزيل/نزيلة بروحين، هذه رغبتهما وهذا حقهما وهما يستمتعان بممارسته، إلى أن تشاركَت صاحبتنا مع زميلتها في الغرفة. هي في العادة ترفض أسلوب الشراكات مع الآخرين، تشعر أنه يسحبها إلى منطقة الأكثرية ويجعلها تلعب خارج ملعبها. لكن يحدث أحيانًا ألا تستطيع الظفر بخصوصيتها، وعندها قد تواجه موقفًا سخيفًا تبدو فيه مدافعةً عن نفسها كمثل هذا الموقف. سألتها زميلتها بتطفل زائد: متجوزين قريّب؟ أهمَلَتها.
•••
أنشب مفتش الجمرك أصابعه في حقيبة سفرها يبحث عن أجهزة كهربائية مخبأة هنا أو هناك على قاعدة أن البريء متهم حتى تثبت براءته. أخذَت نفسًا عميقًا وتمتمَت: يا صبر أيوب. لَطَشَت يد المفتش برواز نادر الذي كان يفترش ملابسها والهدايا فطار في الهواء، وكمثل لاعب كرة يد محترف طارت معه لتمسك به قبل أن يسقط على الأرض. في هذه اللحظة أحسَت أن عليها أن تحمي الصورة وسر البرواز وطبيعتها المختلفة، ولعلها تصورَت حتى أنها تحمي زوجها من التفسير التقليدي المتشائم لظواهر كمثل ظاهرة تهشُم البرواز وتطايُر زجاجه، ولم لا وفِي داخل كل منّا خزعبلات وخرافات وأساطير تخرج عند الضرورة. لو كان بوسع مفتش الجمرك أن يشهق شهقة كتلك التي أطلقتها زميلتها في غرفة الفندق حين رأت البرواز يخرج من الحقيبة لَفَعَل، فماذا تصنع المسافرة بهذا البرواز الذي يسكنه رجل في الخمسين خلال رحلة مدتها ثلاثة أيام؟ لكن لا وظيفته ولا المكان يسمحان له بذلك. أخذ يتسلل الشك إلى نفسه فثبّت عينيه في عينيها الغاضبتين وراح يقلّب البرواز ويتحسسه، وفِي الأخير سألها متقمصًا شخصية المفتش كولومبو في المسلسل الأمريكي القديم: هو البرواز ده فيه إيه بالضبط؟ ولولا خشيتها من أن يتطور الموقف للأسوأ لسخرت منه على طريقة توفيق الدقن وأجابته: فيه فيل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved