طعنة محمد رمضان لصورة مصر فى إفريقيا
أحمد فاضل يعقوب
آخر تحديث:
الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
كنت فى زيارة لصديق فدعانى لمشاهدة فيلم بعنوان «أسد» للممثل محمد رمضان، الذى يتناول موضوع العبودية فى مصر فى القرن التاسع عشر ومدى وحشية الشعب المصرى إزاء العبيد المخطوفين من إفريقيا، وبحكم خبرتى الدبلوماسية والتى أمضيت منها نحو عشر سنوات فى إفريقيا، فالنتيجة التى خرجت بها بعد مشاهدته، أن هذا الفيلم، الذى من الواضح قد رُصدت له أموال طائلة، هو طعنة لصورة مصر لدى الشعوب الإفريقية، ويؤثر سلبا على علاقات مصر مع هذه الدول، ويعمل على تخريب جميع جهود القيادات المصرية ومؤسسات الدولة فى كسب قلوب وعقول الشعوب الإفريقية، وهى الجهود المستمرة منذ خمسينيات القرن الماضى حينما دعمت مصر حركات التحرر الإفريقية وعملت على إسقاط نظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا، وإلى الآن بتبنيها قضايا السلام والتنمية والأمن فى القارة السمراء، وهو رصيد تاريخى مهم تستند إليه مصر فى علاقاتها الإفريقية.
تلطيخ الرصيد التاريخى لمصر
فإذا بهذا الفيلم يظهر مصر نفسها وكأنها كانت ضالعة فى أسوأ جريمة عرفتها القارة وقام بها الاستعمار، وهى خطف المدنيين الأفارقة من قراهم واستعبادهم بأسوأ صورة وحشية فصلها الفيلم، والأمر الذى يلطخ ويخرب رصيدنا التاريخى لدى أشقائنا الأفارقة، وكأن مصر كانت دولة استعمارية مثلها مثل الاحتلال الغربى للقارة.
ففى الوقت الذى تسعى فيه القيادة السياسية وكل مؤسسات الدولة المصرية لمواجهة العديد من التحديات ومنها الحرب الأهلية فى السودان، والوضع فى باب المندب والبحر الأحمر، وموضوع «سد النهضة» ومخاطره، وفشل المفاوضات مع إثيوبيا التى تصر على أن تلغى الاتفاقيات التاريخية الخاصة بحصة مصر فى مياه النيل من خلال اتفاقية عنتيبى، وتسعى لاستعداء باقى دول حوض النيل وجميع شعوب القارة ضد مصر، وتتهمنا بأننا نستمسك باتفاقيات تاريخية استعمارية، وأننا ضد التنمية فى القارة، وتتحرك مصر بحكمة وفاعلية على مستوى القارة لكى تفند هذه الاتهامات، وتفعّل كل قواها الناعمة لكسب تأييد الدول الإفريقية وشعوبها، فإذا بهذا الفيلم يأتى لكى يستعدى هذه الشعوب ضدنا ويترك فى نفسية كل من يشاهده أن المصريين كانوا يخطفون المواطنين الأفارقة من قراهم نساء وأطفالا ورجالا، ويسوقونهم فى سلاسل حول رقابهم وأيديهم وأرجلهم، ويضعونهم فى أقفاص كالحيوانات، ثم يبيعونهم لمن يشترى، وأن الشعب كله لديه عبيد يعاملهم بقسوة، ويقطع أعضاءهم التناسلية، ويحرقهم أحياء أو يقتلهم بالرصاص إذا تمردوا، ويعاشر السيد المصرى نساءهم وإذا حملن منه تنكر لابنه وتركه يعيش عبدا، كما يمكن أن يلقوا أطفالهم الرضع أحياء فى النيل عقابا وانتقاما من العبيد المتمردين.
تشويه صورة شعب مصر والوالى عليها
يأتى هذا الفيلم بعد أسابيع قليلة من احتفاء مصر ببناء سد جوليوس نيريرى فى تنزانيا بسواعد شركتين مصريتين، كما تشجع مصر رجال الأعمال على الاستثمار والتجارة مع دول القارة، وتفتح أبوابها لعشرات الآلاف من اللاجئين والضيوف من السودان حاليا، وتستقبل آلاف الطلبة الأفارقة فى جامعاتها وأزهرها، فإذا بهذا الفيلم يسعى لهدم كل هذه الجهود بل وتشويه الشعب المصرى، وتشويه تاريخيه وخلق حالة من الكراهية لمصر وشعبها من كل مَن يشاهده مِن ذوى البشرة السمراء، ليس فقط فى إفريقيا بل أيضا من أهلنا فى السودان، بل ومن شركاء الوطن من أهل النوبة، وهو أمر له علاقة بالوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعى، وإلى حضراتكم بعض التفاصيل الصادمة:
أولا: أظهر الفيلم حياة المصريين فى القرن التاسع عشر وكأنها جميعها قائمة على الاعتماد على العبيد وتجارتهم ومعاملتهم بقسوة ووحشية، ويجبرونهم على الأعمال الشاقة مثل تقطيع الحجارة فى الجبال وتحت الضرب والتعذيب بالسياط حتى لو سقطوا قتلى تحت أشعة الشمس الحارقة، ولم يكن فى الفيلم أى شخصية مصرية سوية ترفض هذا الظلم وهذه اللاإنسانية والوحشية، والشخصية الوحيدة التى تعاطفت مع العبد أسد (محمد رمضان) وتزوجته فى السر كانت شامية وليست مصرية، أما ابن الوالى الذى حاول إقناع أبيه بإصدار مرسوم إلغاء العبودية فكان نتيجة معيشته فى أوروبا وارتباطه بفتاة أوروبية، وباقى الشخصيات المصرية كلها قسوة وعنف ضد العبيد وضد تحررهم، ومنها شخصية «يكن» والذى يرتدى زى «الأفندى» بالطربوش والشارب الذى يشبه الزعيم مصطفى كامل، فكان الأكثر دموية وقتلا وتعذيبا للعبيد، وقام بإخصاء العبد (أسد) وتبين أنه نفسه ولد لأب مصرى وأم عبدة.
ثانيا: أظهر الفيلم حتى والى مصر الذى أصدر مرسوما بإلغاء العبودية لمن يريد وتسليمه تذكرة حرية، بأنه لم يكن جادا فى قراره، ولم يفرض تطبيقه، بل فقط كان قراره إرضاء لابنه لكى يبقى معه فى مصر ويكون وليًا للعهد، وفى نهاية الفيلم يذهب الوالى نفسه بجيشه لمحاصرة العبيد المتمردين الذين يطالبون بالحرية تنفيذا لمرسومه، ويطلب منهم العودة لأسيادهم «ملاكهم» كعبيد، وحينما يرفضون يأمر الجيش بإطلاق النيران عليهم، رغم أنهم عزل وألقوا أسلحتهم، ومن يرفض من الجيش هذه الأوامر يقتله الوالى بنفسه، وكانت هذه الفقرة بإخراج وموسيقى تصويرية تُظهر كم كان الوالى المصرى دمويا ووحشيا فى قتله لمدنيين عزل وتجعل المشاهد يحنق عليه وعلى جيشه، أى أن الشعب المصرى كله، وحتى حاكمه الوالى من عديمى الإنسانية ويتسمون بالوحشية والقسوة. ولا أدرى لماذا صور الفيلم جيش الوالى كله سواء من الجنود أو القادة من السود؟
ثالثا: يذكر مخرج الفيلم فى بدايته أنه يخلط الحقيقة بالخيال لكى يتهرب من مسئولية تشويه تاريخ مصر وشعبها، إلا أنهم من الواضح قد بالغوا فى الخيال، حيث لا يميز المشاهد أين الحقيقة وأين الخيال، وفقط يقع فى وجدانه ما يشاهده خاصة إذا كان ظلما وقسوة وعنفا ودما مصنوعا بحرفية، وبمؤثرات صوتية، وأمامه من يمثلون الإجرام والوحشية وهم حسب الفيلم شعب مصر وحاكمها، ومن يمثلون الضحية المظلومين وهم العبيد.
رابعا: إذا كان القائمون على الفيلم هدفهم الإبهار بفيلم ضخم يدر أموالاً طائلة وممتلئ بالعنف والدم والقسوة والصدمة، فكان أمامهم غزة وفلسطين لكى ينهلوا منها آلاف القصص الحقيقية وليست المقرونة بالخيال، فقد شاهدنا وشاهد العالم ولا يزال المجازر المستمرة فى حق الشعب الفلسطينى، وكان يمكنهم أن يقدموا فيلما يصفق له العالم بدلا من هذا الفيلم الذى يفتح بابا للشياطين، ويدق أسافين بين الدولة المصرية وشعبها من جانب وأشقائه من أهل النوبة والسودان والقارة السمراء بل والمواطنين السود فى كل مكان من جانب آخر، وأذكرهم بفيلم (نازا) الذى أخرجه إسرائيليان ويوثق شهادات جنود وضباط إسرائيليين عن المجازر فى حق الفلسطينيين فى غزة، وأغضب نتنياهو وحكومته، والذى فاز فى 12 سبتمبر 2026 بجائزة مهرجان البندقية السينمائى كنموذج للاقتداء به.
خامسا: إذا كان مؤلف ومخرج ومنتج هذا الفيلم يريدون شيئا من تاريخ مصر فى القرن التاسع عشر، فكان أمامهم نهضة مصر فى بداية هذا القرن مع مجىء محمد على عام 1805، وبنائه لجيش قوى بعد القضاء على المماليك، وتوسع الدولة المصرية لتأمين منابع النيل، وتطورها العلمى والصناعى والزراعى والمؤسسى والفكرى والثقافى، وكان أمامهم كفاح مصر وثورة أحمد عرابى 1881، ومعاناة المصريين لحفر قناة السويس عام 1869، وغيرها الكثير مما يصلح كأفلام.
سادسا: إذا كان المسئولون عن فيلم (أسد) لديهم الأموال لإنتاج تاريخى ضخم ممتلئ بالعنف والدماء والضحايا والقتلى، فكان أمامهم رصيد من الحقائق تحكى عن نشأة الدولة العبرية فى النصف الأول من القرن العشرين، وما قامت به العصابات الصهيونية وعلى رأسها منظمات الإرجون زفاى ليومى، ثم الهاجاناه، وشتيرن من حرق وتدمير وقتل للمدنيين الفلسطينيين فى قراهم بهدف تهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم، ثم إعلان الدولة عام 1948، وهى المنظمات التى كانت نواة الجيش الإسرائيلى الحالى، علما بأنها حقائق وثقها مؤرخون يهود وإسرائيليين ولن يحتاجوا لأى خيال يمزجوه بالحقائق.
ومن هنا تثور أسئلة يا ترى هل هذا التشويه لمصر وشعبها وتاريخها وضرب علاقاتها الأفريقية بل ووحدتها الوطنية يتم بقصد وبسوء نية مبيتة؟ أم عن عدم قصد وعدم علم؟ وإذا كان القانون يجرم من ينشرون أخبارا كاذبة من شأنها المساس بالوحدة الوطنية، والتأثير سلبا على مصالح الدولة العليا وعلاقاتها الخارجية، وأمنها القومى، فهل يخضع المسئولون عن هذا الفيلم، تمثيلا وتأليفا وإخراجا وإنتاجا، لهذه القوانين؟