القصص» إلى الأوسكار.. أين يقف الفيلم المصرى وسط المنافسة العربية والعالمية؟

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

لم يعد السؤال بعد اختيار فيلم «القصص» لتمثيل مصر فى سباق أوسكار أفضل فيلم دولى 2027 هو: هل يستحق الفيلم الوصول إلى المنافسة؟ فقد انتهت هذه المرحلة بالفعل بقرار اللجنة المصرية، وأصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا ينتظر «القصص» فى سباق دولى يضم أفلامًا جاءت إلى الأوسكار محملة بجوائز مهرجانية، وأخرى تحظى باهتمام نقدى مبكر؟

 


اختيار «القصص» للمخرج أبو بكر شوقى يضع الفيلم أمام اختبار مختلف تمامًا عن عملية الاختيار المصرية. فالفيلم لم يعد ينافس زملاءه المصريين، وإنما أصبح جزءًا من قائمة عالمية تضم عشرات الأفلام، قبل أن تختار أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة قائمة قصيرة من 15 فيلمًا فى ديسمبر، ثم خمسة أفلام فقط فى الترشيحات النهائية المعلنة فى يناير المقبل. ومن المقرر إقامة حفل الأوسكار فى 14 مارس 2027.
واللافت فى دورة هذا العام أن قواعد المنافسة نفسها تغيرت فى فئة الفيلم الدولى.. فإلى جانب الطريق التقليدى، الذى يمر عبر اختيار الدولة لفيلم يمثلها، أصبح بإمكان فيلم غير ناطق بالإنجليزية أن يدخل المنافسة عبر الفوز بجائزة محددة فى عدد من المهرجانات الكبرى، بينها السعفة الذهبية فى كان، والدب الذهبى فى برلين، والأسد الذهبى فى فينيسيا، وجائزة أفضل فيلم فى بوسان، والجائزة الكبرى لأفلام السينما العالمية فى صندانس، وجائزة منصة تورنتو. كما أصبح الفيلم هو المرشح رسميا، وليس الدولة، على أن يتسلم المخرج الجائزة نيابة عن فريق العمل إذا فاز.
وهذا التغيير يجعل خريطة المنافسة أكثر تعقيدًا، ويمنح الجوائز المهرجانية الكبرى وزنًا إضافيًا فى سباق بدأ مبكرًا بالفعل.
عربيًا، لا يدخل «القصص» إلى أرض خالية. ففلسطين اختارت «المواطن أسامة» لأحمد حسونة، وهو فيلم وثائقى مدته 69 دقيقة يصور حياة أسامة العشى فى شمال غزة خلال الحرب، وقد عرض فى مهرجان فينيسيا ضمن فعاليات الدورة الأخيرة. واختارت المغرب فيلم «فراولة» لليلى مراكشى، الذى عرض فى قسم «نظرة ما» فى مهرجان كان، ويتناول تجربة عاملات مغربيات موسميات فى إسبانيا. أما العراق فاختار الفيلم الكردى «لا جنة إن قتلتك امرأة» لهالكوت مصطفى، الذى تدور أحداثه حول قناصة كردية تبحث عن شقيقتها التى اختفت خلال هجوم تنظيم داعش عام 2014.
وهذه الأفلام الثلاثة تكشف تنوع الحضور العربى فى السباق: فيلم وثائقى فلسطينى شديد الارتباط بالواقع الراهن، ودراما اجتماعية مغربية تنطلق من قضية العمالة والهجرة والاستغلال، وفيلم عراقى كردى يمزج أجواء الحرب بالدراما الشخصية. لذلك فإن المنافسة العربية نفسها لا تسير فى اتجاه واحد، وإنما تقدم صورًا مختلفة للسينما القادمة من المنطقة.
فى هذا السياق، يمتلك «القصص» رصيدًا مختلفًا، بحصوله على التانيت الذهبى فى أيام قرطاج السينمائية، إلى جانب كونه إنتاجًا مشتركًا بين مصر وفرنسا والنمسا وبلجيكا والسويد.
لكن الجوائز المهرجانية، مهما كانت أهميتها، لا تعنى تلقائيًا الوصول إلى قائمة الأوسكار. فهناك فارق بين أن ينجح الفيلم فى مهرجان بعينه، وأن ينجح فى الوصول إلى قاعدة واسعة من أعضاء الأكاديمية. وهذه هى المنطقة التى يبدأ فيها التحدى الحقيقى أمام «القصص».
وعلى المستوى الدولى، يواجه الفيلم مجموعة من الأعمال التى تدخل السباق برصيد مهرجانى واضح. ومن أبرز الأسماء المتداولة «فيورد» للمخرج الرومانى كريستيان مونجيو، الفائز بالسعفة الذهبية فى كان، وهو ما يمنحه وضعًا خاصًا فى ظل قواعد الدورة الجديدة. كما توجد أفلام أوروبية أخرى حظيت بحضور فى مهرجانات كبرى وبدأت تفرض نفسها فى النقاش المبكر حول السباق.
وهنا لا يصبح من الدقيق الحديث عن «فيلم أقوى» أو «فيلم أضعف» فى هذه المرحلة، لأن الأكاديمية لم تختصر المنافسة بعد، كما أن غالبية الأفلام لم تدخل مرحلة التصويت النهائية. الأصح هو النظر إلى مجموعة من العناصر التى يمكن أن تساعد الفيلم فى عبور المراحل المقبلة: الاستقبال النقدى، الجوائز، حضور الفيلم فى المهرجانات، قدرته على الوصول إلى أعضاء الأكاديمية، وتوافر فرصة حقيقية لمشاهدته والتعرف إليه خارج بلده.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار «القصص» يحمل أهمية تتجاوز النتيجة النهائية. مصر لا ترسل فقط فيلمًا إلى لوس أنجلوس، وإنما تقدم عبره صورة من صور السينما المصرية المعاصرة، وتضع تجربة مخرج مصرى فى مواجهة مباشرة مع تيارات سينمائية من أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربى.
ولعل أهم ما فى اختيار «القصص» أنه يأتى فى وقت لم تعد فيه المشاركة العربية فى الأوسكار مجرد حضور رمزى. أفلام المنطقة تدخل السباق برصيد مهرجانى وموضوعات مختلفة، وتبحث عن مكان داخل سينما عالمية أصبحت أكثر انفتاحًا على تجارب قادمة من خارج المراكز التقليدية للإنتاج.
لكن الطريق أمام الفيلم المصرى ما زال طويلًا.. فالاختيار المصرى هو البداية فقط، والقائمة القصيرة هى الاختبار الأول، ثم يأتى الاختبار الأصعب فى الوصول إلى الترشيح النهائى. وفى كل مرحلة تتغير قواعد اللعبة، وتتسع دائرة المشاهدة والمقارنة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الآن: هل سيفوز «القصص» بالأوسكار؟
الأكثر دقة أن نسأل: هل يستطيع «القصص» أن يحول رصيده المصرى والمهرجانى إلى حضور عالمى مقنع؟
الإجابة لن تقدمها لجنة الترشيح المصرية، ولا جائزة واحدة حصل عليها الفيلم، وإنما ستحددها الأشهر المقبلة، عندما يصبح «القصص» فيلمًا واحدًا بين عشرات الأفلام التى تتنافس على أن تراها الأكاديمية، وتناقشها، ثم تختار منها 15 فيلما فقط للقائمة القصيرة.
وهنا يبدأ بالفعل سباق «القصص» إلى الأوسكار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved