بعد نصف قرن من رحيله.. ماذا بقى من تأثير «ماو» فى الصين وفى العالم؟

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 23 سبتمبر 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

تمر هذه الأيام الذكرى الخمسون لرحيل الزعيم الصينى الكبير «ماو تسى تونج»، الذى قاد الثورة الشيوعية فى الصين حتى حققت انتصارها النهائى ودخلت قوات الجيش الشعبى الصينى التابعة للحزب الشيوعى الصينى العاصمة «بكين» فى الأول من أكتوبر 1949 لتعلن قيام جمهورية الصين الشعبية وسقوط حكم «تشانج كاى تشيك» وحزب «الكومينتانج» الذى كان يقوده، وفرار «تشانج كاى تشيك» وقيادات نظامه وحكومته وحزبه وأنصاره إلى جزيرة «تايوان» وأسس لفترة ما سمى بجمهورية الصين الوطنية التى ما لبث أن تحول اسمها إلى «تايوان» وبقى اسمها كذلك حتى اليوم، وبعد ذلك باثنين وعشرين عاما شغلت الصين الشعبية المقعد الدائم المخصص للصين فى عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتكرس آنذاك بشكل نهائى الاعتراف الدولى بها، وذلك عقب زيارة الرئيس الأمريكى آنذاك «ريتشارد نيكسون» إلى الصين وتطبيع العلاقات بين البلدين فى أعقاب نجاح ما سمى بـ «دبلوماسية تنس الطاولة».

 


وربما كان الزعيم الصينى الراحل «ماو تسى تونج» هو من أكثر القيادات التاريخية والزعامات الكبرى إثارة للجدل والنقاش والخلاف حوله وحول دوره، سواء داخل وطنه الصين أو الصعيد العالمى، بالإضافة إلى الجدل حول دوره داخل الحركة الشيوعية العالمية ودوائر اليسار فى العالم بأسره بشكل خاص، وسواء كان ذلك خلال حياته أو منذ وفاته، وأتصور أن هذا الجدل سوف يستمر لزمن طويل قادم، وقد صدرت عنه، ولا تزال، آلاف الدراسات الأكاديمية والأبحاث العلمية ومئات الكتب وعشرات الآلاف من المقالات وذكره زعماء ومسئولون كبار آخرون فى العالم فى مذكرات تركوها أو ذكريات رووها، وبالتالى فليس من المتاح فى مقال واحد، أو حتى فى كتاب واحد، أن نطمح فى تناول شامل لشخصيته وإسهاماته العقائدية والأيديولوجية والفكرية ودوره السياسى والاقتصادى والثقافى والاجتماعى الوطنى الإقليمى والدولى.
وبمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل الزعيم الصينى «ماو تسى تونج»، عقدت الكثير من الفعاليات، ولا تزال تعقد، سواء داخل الصين ذاتها، أو من جانب أحزاب وتنظيمات وجماعات «ماوية» عبر العالم، أو من جانب حلقات من المفكرين والمثقفين والناشطين الماويين فى أماكن متفرقة من قارات العالم الست، بالإضافة إلى ما عقدته وتعقده جامعات ومراكز أبحاث عبر العالم من فعاليات ذات منهاجية علمية وطابع موضوعى وأكاديمى بهذه المناسبة لدراسة فكره ودوره وتأثيره وإرثه فى بلده وفى القارة الآسيوية على وجه الخصوص وعبر العالم بوجه عام.
وإذا كنا سنتناول هنا أمثلة من إرث الزعيم الصينى الراحل «ماو تسى تونج» ونماذج على بعض ما بقى له من تأثير حتى الآن فى الصين وفى العالم، فيجب أن نبدأ بتأثيره وإرثه داخل بلده الصين، فلا شك أن الشعب الصينى مع تعاقب أجياله سيظل مدينًا لماو بأنه هو من أنهى حقبة طويلة من التطاحن والاقتتال الداخلى ما بين الفئات السياسية الصينية المتحاربة، والذى استمر، بل وتصاعد، حتى بعد قيام ثورة الشعب الصينى بقيادة الزعيم الصينى الراحل «صن يات صن» فى عام 1911 وتأسيس الجمهورية فى الصين فى عام 1912، فى ظل ما يعرف تاريخيًا بعصر «أمراء الحرب»، وذلك فى نفس الوقت الذى لعب فيه ماو دورًا بارزًا فى إلحاق الهزيمة بالغزو والاحتلال اليابانى لبلاده وتحرير بلاده منه، وكذلك نجح فى تحويل شعبًا كانت أعداد كبيرة منه فى السابق قد أدمنت الأفيون إلى واحد من أكثر الشعوب نشاطًا وإنتاجًا وإنتاجية فى العالم بأسره وليس فقط فى القارة الآسيوية، ولكل هذه الأسباب وغيرها فليس من المستغرب أن قطاعات كبيرة من الشعب الصينى، وحتى اللحظة الراهنة، لا تزال تطلق على «ماو» وصف «المحرر»، بينما تطلق على «دينج شياو بينج» وصف «المحدث».
كما أن تأثير «ماو» يبقى حاضرًا وبقوة حتى اليوم عندما يتعلق الأمر بالثقافة الاجتماعية والسياسية السائدة، أو لنقل الغالبة، فى المجتمع الصينى، حتى وإن لم ينسب البعض له كل جوانب هذا التأثير بشكل مباشر، فهو الذى يعود إليه الفضل فى إقناع الصينيين بأهمية إعلاء قيمة عمل الإنسان ودوره فى تحديد مكانة الإنسان فى المجتمع، واعتبار العمل دون غيره معيار وضعية الإنسان فى المجتمع وفضله بين أقرانه، وهو الذى وضع بذور أهمية الاعتماد على الذات وتحقيق الاكتفاء الذاتى فى إنتاج الاحتياجات والمواد الأساسية والضرورية لحياة الإنسان وسير المجتمع وتجنب الاعتماد على الخارج لأن من شأن ذلك الاعتماد أن يوجد حالة من التبعية على الخارج وفقدان استقلال القرار الوطنى ومن ثم فقدان حرية الإرادة والحركة السياسية، مع تركيزه بشكل خاص فى هذا الشأن على القطاع الزراعي، وبشكل أكثر تحديدًا ما يخص الأمن الغذائى، بل ونشر هذا المفهوم فى حياته وبعد مماته فى بلدان العالم الثالث الأخرى، أو ما يسمى اليوم ببلدان «الجنوب العالمى».
وتأخذنا هذه المسألة الأخيرة إلى تناول ما بقى من تأثير الزعيم الصينى الراحل «ماو» على الصعيد العالمى، فعلى المستوى الفكرى فإن «ماو» هو صاحب ومنظر نظرية «العوالم الثلاثة» التى لا زال الكثير من الساسة وعلماء السياسة وأساتذة العلاقات الدولية وخبراء مراكز الأبحاث ومسئولى المنظمات الدولية وغير الحكومية فى العالم بصفة عامة وفى بلدان ما يعرف اليوم بـ «الجنوب العالمى» على وجه الخصوص يعتقدون فى صحتها وأهميتها ودورها فى معرفة وتفسير ووصف حالة النظام الدولى والأنماط السائدة للعلاقات الدولية، حتى وإن انتشرت اليوم تعبيرات مثل «الجنوب العالمى» فالمحصلة تبقى من الناحية الموضوعية هى نفس مضمون نظرية العوالم الثلاثة، التى قسم فيها «ماو» العالم إلى عالم أول يتكون من الدول العظمى التى تسعى إلى الهيمنة والسيطرة على بقية دول العالم، على اختلاف ما ترفعه من شعارات وما تتبناه من أيديولوجيات، وعالم ثان يتشكل من دول متقدمة اقتصاديًا ولكنها تابعة للدول العظمى التى تكون العالم الأول، ثم عالم ثالث يمثل غالبية سكان العالم وتندرج تحته الدول النامية، أى معظم بلدان آسيا (بما فيها الصين) وبلدان أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو تعرض للاستعمار فى السابق ويتعرض للاستغلال من العالمين الأول والثانى ويسعى للتحرر والتقدم. وبالتالى، فإنه بناءً على هذه النظرية، فالقيادات الصينية المتعاقبة منذ وفاة «ماو» وحتى اليوم، والحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، يعتبرون أن الصين دولة نامية ويرفضون بشدة وصفها بالدولة المتقدمة، وذلك بالرغم من كل ما حققته من تقدم اقتصادى وتكنولوجى وتعاظم فى دورها السياسى وقدراتها العسكرية، ويؤكدون أنهم يقفون فى معسكر واحد مع الدول النامية، وهو ما تجسده حقيقة أن الصين ومجموعة الـدول الـ 77 التى تمثل الدول النامية، هما مجموعة واحدة فى المحافل الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة، وذلك منذ تأسيس مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) فى عام 1964.
أما الأثر الثانى الباقى من «ماو» على صعيد العلاقات الدولية، فهو دعم الصين الفعال فى عهده وتحت زعامته لحركات التحرر الوطنى فى الكثير من بلدان العالم الثالث، وهو الدعم الذى شمل العون السياسى والدبلوماسى والإعلامى والعسكرى فى العديد من الحالات، والذى أدى إلى نجاح حركات التحرر تلك فى تحقيق هدف الاستقلال الوطنى لشعوبها ودولها، إلا أن الأمر لم يقف عند حدود ترك هذه الدول بعد تحقيق الاستقلال السياسى، بل تقديم العون لها بعد ذلك لبناء التنمية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية دون الاعتماد على الخارج أو فى إطار ما يعرف بالاعتماد الجماعى على الذات فيما بين دول العالم الثالث، سواء ككل أو فيما بين عدد منها أو بعضها الذى يقع فى إطار إقليمى أو شبه إقليمى واحد.
والأثر الثالث الباقى معنا حتى اليوم من إرث الزعيم الصينى الراحل «ماو تسى تونج» على الصعيد العالمى هو عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية التى تعتنق الماوية كأيديولوجية، وتمارس العمل السياسى، وفى بعض الأحيان العمل العسكرى عندما لا يكون مسموحًا لها بالتواجد السياسى، فى عدد من دول العالم، خاصة فى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، أى فى قارات العالم الثالث، وقد بدأ هذا التأثير بالفعل خلال حياة «ماو» ولكنه امتد حتى اليوم وبعد رحيله عن عالمنا بنصف قرن، بل إن حالة الحزب الماوى فى نيبال وثورته على النظام القائم ودخول الثوار الماويين العاصمة كتماندو فى 16 يونيو 2006 بزعامة «براشاندا» (بوشبا كمال داهال) كان بمثابة تذكير للعالم بأنه برغم مرور العقود والسنين على رحيل ماو فإن فكره والتنظيمات السياسية التى تجسد هذا الفكر تبقى ذات تواجد سياسى وشعبية وتأثير فى العديد من دول العالم الثالث بقاراته الثلاث.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved