قلب «محمد حسن خليفة» الذى لم يحتمل!

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: الجمعة 24 يناير 2020 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

الحزن ثقيل وعارم. لم يعد مهما ولا مؤثرا، فى هذه الحالة، إن كنت تعرف هذا الشاب من قبل أو التقيته حتى؛ إنه شاب مصرى بسيط للغاية لكنه طيب ومجتهد وطموح؛ جم النشاط والحركة، استطاع فى فترة وجيزة أن يكون إحدى بؤر النبض الشبابية الثقافية على صفحات السوشيال ميديا، وفى الندوات واللقاءات الثقافية خاصة التى تتصل بالشغوفين من جيله.
ثلاثة وعشرون عاما، ومجموعة قصصية كان ظهورها الأول من أمس، هى كل ما كان فى جعبة الكاتب الشاب محمد حسن خليفة الله قبل رحيله الصادم المفجع، فى الساعات الأولى من اليوم الأول لمعرض القاهرة للكتاب!
كان يتجول فى أروقة المعرض بصحبة أصدقائه، بكل فرحة وحماس الشباب فى اليوم الأول للمعرض؛ إنه المناسبة التى ينتظرونها من العام إلى العام، يفرحون فيه بكتبهم وكتب أصدقائهم، يشترون ما يريدون من الكتب. نعم. للكتب فرحة لا يعرفها إلا من عاينها، ولشرائها فرحة لا يشعر بلذتها إلا من كان يحرم نفسه طوال العام كى يدخر النقود لشراء الكتب التى يحلم بها من المعرض، والعودة بها إلى البيت واستعراض أغلفتها الجديدة فرحة.. فجأة، يسقط محمد مغشيا عليه ليسرع به أصدقاؤه إلى مستشفى الدفاع الجوى؛ لكن عضلة القلب كانت قد توقفت تماما، ومات الولد. قيل بسبب الزحام فى أحد الأجنحة الحكومية والتدافع الكبير للحصول على كتبها الرخيصة دون أن يكون هذا الجناح مهيأ لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة، ولا وجود آلية لتسيير الأمور بدقة وسرعة تضمن عدم حدوث هذا الزحام وهذا التدافع. وقيل إنه سقط دون أى مقدمات متأثرا بتعب شديد فى القلب، وصعوبة فى التنفس، وقال بعض أصدقائه على صفحاتهم على السوشيال ميديا إنه كان يعانى من مشكلات فى القلب (بعضهم كتب أنه كان يعانى من ثقب فى القلب). فليكن ما كان، إنه قضاء الله ولا راد لقضائه؛ إنها لحظة الموت الكاسحة التى تخطف منا ومن بيننا من كان يملأ الدنيا صخبا وضجيجا وحركة ونشاطا، ويموج حياة وحيوية، كأنه يخفى ارتيابه فيها وفراره منها، وسعيه للقاء الموت سريعا، كأنه على موعد للقاء عزيز.
لم ألتق هذا الشاب الذى تحولت صفحاتُ السوشيال ميديا من أجله، أمس وأول من أمس، إلى بحارٍ من الحزن الخالص ومظاهرات رثاء مخلصة وحقيقية، أكثر من تسعين فى المائة ممن تألموا لرحيله لم يعرفوه بشكل شخصى ولم يسمعوا به إلا فى الأوساط المهتمة بالأدب والكتابة والمتابعات الثقافية، ورغم ذلك فقد كان الحزن عارما والألم جماعيا والصدمة بالغة؛ بكى أغلبهم وناح جلهم وتدفقت صور الشاب الراحل وغلاف مجموعته الوحيدة بعنوانها المدهش «إعلان عن قلب وحيد»، وباقتباسها الأكثر إدهاشا الذى نشره الولد قبل رحيله بساعات «دُفنت على قيد الحياة، لم يكن أحد يعرفنى، لكن بعد هذا الخبر الذى كان مجرد تأبين، من شخص مجهول، يحكى قصة عن طريقة وفاتى، ويقوم بمواساتى وأنا فى القبر بكلمات رقيقة، أحيانا أجد فيها بعض الأخطاء الإملائية، جعلنى إحدى الشخصيات العامة، ويتم الحديث عنها بعد الوفاة» (من قصة رُوحى مَقبَرَةٌ من مجموعته «إعلان عن قلب وحيد»).
إنها التراجيديا الإنسانية الكاملة.
مهما حاولت أن تنأى بنفسك عن التأثر بما حدث، مهما ادعيت أنك متماسك، وأننا تمر بنا وداعات ولحظات وجع وألم أكبر يمكن أن نتجاوزها، لا. فى هذه المرة الأمر أصعب كثيرا!
معرفتى بمحمد، كانت من خلال السوشيال ميديا، أقرأ ما يكتبه على صفحته من تعليقات أو مواد وقراءات ومراجعات عن الكتب والقصص والروايات؛ كان نشاطه ملحوظا، لكن بالتأكيد ثمة لحظة فارقة فى حياة الشاب الصغير ربما لم يسعفه عمره ولا قلبه بتحمل صدمتها وهى رحيل والده المفجع قبل نحو عام أو يزيد قليلا. لا أدعى أننى كنت أعرفه بالدرجة التى تجعلنى ملما بتفاصيل دقيقة عن حياته أو أسرته، لكنى أكاد أجزم من خلال ما كتبه، واختياراته، وإهداء مجموعته الأخيرة، أن وفاة والده كانت ضربة قاضية لقلبه الوادع الصغير الذى امتلأ وفاض حزنا حتى توقف به قطار حياته فى محطته الأخيرة أمس.
رحمهما الله، وأسكنهما فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved