ما تبقى من «يناير»!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 24 يناير 2020 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

رغم حالة التغييب الكامل والتعتيم الإعلامى الواضح، إلا أن ثورة 25 يناير تبقى حاضرة بقوة فى أذهان الكثيرين، وكأن وقائعها التى جرت قبل تسع سنوات، واختلط فيها الأمل بالألم والرصاص بالدم والصدق بالخيانة حدثت كلها أمس، وتأبى أن تغادر إلى متحف الذكريات، لتنضم إلى غيرها من الثورات، التى ساهمت فى تشكيل وعى شعب، اعتاد اللجوء إلى الميادين كلما أراد تغيير مجرى التاريخ.
فى ذكراها التاسعة التى تصادف اليوم، يميل البعض عند الحديث عن هذه الثورة التى آمن بها جيل كامل من المصريين، ونزل إلى الشوارع والميادين مرددا هتافاتها العديدة، ومعبرا عن رغبته فى بناء وطن مختلف يتسع للجميع، أن يتطرق إلى ما تبقى من «25 يناير» بعد كل هذه السنوات العصيبة التى مرت بها الثورة ومن كانوا فى طليعتها.
يرى البعض أن الجدل الذى أثارته الثورة منذ انطلاقها، ولم يتم حسمه حتى الآن، هو أبرز ما تبقى من «يناير»، وسيستمر لفترة قادمة حاضرا بقوة على مسرح الأحداث، لأسباب ومبررات عدة، لعل أهمها أن هذه الثورة، لم تحقق ما خرجت من أجله، خصوصا المبادئ التى رفعتها والشعارات التى رددتها، وتم إبعادها عنوة عن طريقها الصحيح بهدف بناء دولة ديمقراطية حديثة، سواء بقصد ــ وهو ما تدعمه الشواهد الكثيرة ــ أو بغير قصد، وهو ما لا يجد من الإثباتات ما يكفى لإسناد مسئولية فشل الثورة إلى «نوايا البعض الطيبة»، خصوصا الشباب الذى تقدم الصفوف فى يناير.
البعض الآخر يعتقد أن الانقسام هو الذى تبقى من هذه الثورة، لا سيما وأنه لا يزال موجودا وحاضرا ويحافظ على ديمومته، بل ويتعمق يوما بعد يوم، ويكفى أن تقوم بجولة سريعة بين الشاشات، أو على مواقع التواصل الاجتماعى، لتجد على الفور فريقين أحدهما يؤمن بأن 25 يناير هى ثورة الشعب التى شارك فيها الملايين من المواطنين من أجل تحقيق الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وإقامة دولة العدل والمساواة والقانون، فيما يرى الفريق الآخر، إنها مؤامرة على الدولة المصرية قام بها شمامو الكلة ونشطاء السبوبة والنكسجية والعملاء والخونة والكارهون لمؤسسات الدولة الوطنية والساعون لهدمها.
هذا الجدل والانقسام هما أهم ما تبقى من ثورة يناير، وفقا لقناعة البعض، لكن فى اعتقاد الكثيرين، أن النقطة الأبرز فى إرث يناير، والتى لا يمكن أن تسقط بالتقادم، وتتعدى ذلك الجدل والانقسام بكثير، هى أن «25 يناير» ليست أكثر من فكرة حالمة للتغيير السلمى، سعت إلى إحداث تغيير حقيقى فى بنية وقواعد المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعد عقود سيطرت عليها «فردية القرار» و«أحادية السياسة» على المشهد فى البلاد.
صحيح أن هذه الفكرة الحالمة لم يكتب لها النجاح ولم تتحقق على أرض الواقع، واختفت تقريبا من التداول العام، إلا الأفكار لا يمكن أبدا أن تموت.. ربما تتراجع إلى الخلف بعض الوقت، لكنها ما تلبث أن تعود مجددا وبقوة أكثر من السابق، حتى لو كانت القوى الحية للثورة التى آمنت بتلك الأفكار، تعرضت لضربات موجعة ــ كما شاهدنا خلال السنوات الأخيرة ــ إلى الدرجة التى جعلت البعض منها يلوذ بالصمت أو العزلة الاختيارية، وربما الإجبارية فى كثير من الأوقات.
فى المقابل، نجد من قامت عليهم الثورة، يتصدرون المشهد الإعلامى الآن، وينظرون إليها على أنها «مؤامرة» أو على أقل تقدير «ثورة الحيارى»، وأنه «آن الأوان لنتخلص من هذه الحيرة، ونطوى هذه الصفحة للأبد بأسرع وقت»، ويصرون على تشويهها بكل الطرق والوسائل من أجل تعميق كراهية الناس لها، وتحميلها وزر الأزمات التى مرت على البلاد، رغم أن الثورة لم تحكم يوما واحدا، حتى نحاسبها على ما نحن فيه من وضع غير طبيعى فى جميع المجالات.
ستظل «25 يناير» ثورة حقيقية قام بها الشعب المصرى بكل طوائفه وفئاته، ولن تفلح محاولات «هواة الاستبداد» فى تشويهها باتهاماتهم الباطلة لها، أو ادعاء فصيل أو جماعة بأنها صاحبة الحق الحصرى لها والمتحدث الرسمى باسمها، وستظل هذه الثورة مهما كره الكارهون، معبرة عن إرادة أمة وطموح جيل من المصريين، أراد الحصول على حقه الطبيعى فى الحياة الكريمة، وإعلاء قيم المساواة والعدل والقانون واحترام حقوق الإنسان.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved