تَـعَب التَفكـير

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 24 يناير 2020 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

لا شكَّ أن التفكيرَ فعلٌ إيجابيٌّ يستهلك وقتًا ويتطلَّب طاقةً، ويأخذ مِن مَخزون العقل ليضيفه إلى المُعطيات الحاضرة ويمزِجه بها، ويقيسه على مَجموع الخبرات والتجارب؛ سواءً كانت ذاتية أو عامة، ويضع قائمةً بالتوقُّعات سلبًا وإيجابًا، وفي نهاية الأمر يكون القرار.
***
التفكيرُ عبءٌ نحمله على أكتافِنا ما دمنا قادرين، لا يفكر أحدنا بدلًا مِن آخر، ولا يُمكن أن يدَّعي صلاحيةَ تقرير مَصيره، إلا لو كان هذا الآخر عاجزًا؛ يُقعِده العَجزُ عن استدعاءِ ما في الذاكرة، ويَمنعه مِن خَلْقِ الروابطِ اللازمة والعثور على ما يُناسبه، وما يجد فيه الراحةَ ويرتضيه.
***
أولُ ما يقول المُعلمون للتلاميذ إزاء مُعضلة عَسيرةِ الفَهم، أو مُعادلةٍ مُستعصِيةٍ على الحلّ؛ فَكّروا. يُفكّر الصغار وهم جالسون في فصلٍ دراسيّ؛ قد تنوء بهم جدرانُه في مدرسةٍ حُكومية، وقد تكون في مَوقعٍ مُوازٍ رحبة فسيحة. يفكرون وبداخل كل منهم رغبة في أن يسبق بقيةَ زملائه ويغدو مَحطَّ الإعجابِ والغيرة. في الأغلب تتعدَّد بهم المساراتُ؛ البعضُ يجد طريقَه سريعًا إلى الإجابة، والبعضُ الآخر يكِدُّ ويرهق دون الوصول، وقد يذهب بعضٌ ثالثٌ إلى ابتكار صِيغ ليست مَوجودة في نماذج الحلول المثالية المُعتمَدة. كلُّ فريقٍ مِن هؤلاء يتصرَّف حسبما تُتيح له إمكانياتُه والبيئةُ التي وُجِد فيها، وبالصورة التي نشأ عليها؛ ويكون على المُعلّم أن يُراجعَ النواتجَ ويُقيّمها.
***
بعضُ المرات قد لا تُهم النتيجةُ النهائيةُ بقدر ما تُهِم عمليةُ التفكيرِ نفسِها؛ كيف انطلقت وتطوَّرَت وما الخطوات التي اتُخِذَت أثناءها. البناءُ المَنطقيّ السليم يُسفِر في العادة عن نتائج مَقبولة، والتفصيلاتُ الدقيقةُ المُعتنى بها تُبرِز القدرة على التخيُّل والاستشراف؛ بما يكفل عند الاضطلاع مستقبلًا بمهمة ما؛ رَصد الفوائد المُنتظَرة مُقابل المساوئ المُتوقَّعة، ومِن ثمَّ العمل على تقليلِ الخسائر وتعزيزِ المَكاسِب ودعمها.
***
في كوكبِنا المُتفَرد؛ أشخاصٌ يملكون اتخاذَ القرار إذ هم في مَواقِع المَسئولية، لكنَّ هذه المَواقعَ لا تدفعهم إلى التفكير، ولا إلى تحرّي المعلوماتِ التي تتوافَر في حيّزهم دون أن يضطروا في سبيلِ الحصول عليها إلى بذلِ أي مَجهود. تأتي قراراتُهم تلقائية، بل وربما تكون عشوائيةً بما يكفي؛ لتُطيحَ بما تبقَّى مِن عَقل. حيًّ سكنيًّ عريق تُدمَّر مساحاتُ الأخضر في أركانه كافَّة، ثم تُوسَّع شوارعُه لتتجاوز حاراتُها الستَّ وأحيانًا الثماني حارات، وتغدو النتيجةُ المَنطقية وفيَّات مُتصاعِدة بين السُّكان؛ إذ تدهسهم العرباتُ عند محاولتهم العبور بين ضفَة وأخرى. لا إشارات مُشاه ولا وسيلة للنجاة.
***
بعضِ الأفعالِ والأفكار وَليدة الانفعالِ النفسيِّ ليس إلا، وبعضِها الآخر يَشي بالتكاسِل عن إعمال الفِكر، وبعضٌ ثالث يعكس ما دَرَج عليه المَسؤولون مِن إهمال. في مرات عديدة؛ تبدو الصياغات المَطروحة حمقاءً إلى درجة تدهش مُتلقِّيها؛ لكنَّ الحُمق الظاهر قد يكون فعلًا مُدبرًا مَقصودًا، إذ يُورِث الناسَ الارتباك ويُصيبهم بالشلَل المُؤقت ويُؤخر ردَّ الفعل؛ وذاك المَطلوب.
***
يتبارى المُتنافسون على مقعد الرئاسةِ الأمريكيّ، ويتناطحون في مُناظرات مُثيرة، وبينما يحتدم الصراعُ في ضوء المعطيات المتنافرة وتتصاعد الأمورُ، ويتَّخذ كُلُّ طرفٍ الحيطةَ والحذرَ فيما يطرح مِن أفكار؛ فإن زلَّة لسان وانفعال غير مَحكوم كفيلان بإهدار جهدٍ هائل، وترجيحِ كَفَّة الخصم. يُشاهد ملايين الناس في أرجاءِ الأرضِ هذه المُناظرات، يدفعهم إلى مُتابعتِها ما دَرَجت الإدارةُ الأمريكيةُ الحاليةُ على إعلانِه مِن قرارات، وما تتَخِذ بلا وازع مِن مَسالك وتصرفات تبدو صادمةً مُذهلة؛ حتى ليتساءل المُحلِّلون عما وراءَها، ويتباحثون بشأن مَن فكَّر فيها وخطَّط لها.
***
في سياق آخر بعيد وداخل حدودنا الجُغرافية؛ شخصٌ أتعب نفسَه وفكَّر، وخرجَ بخُطة تجميل. الخُطة تقضي بتفكيك أثرٍ ونقله مِن مكانه؛ سلبه مِن تاريخِه وسياقِه، وخلق سياقٍ مَكانيٍّ جديد؛ لا جذور له، ولا حسّ جماليّ في تصميمِه، ولا معنى وراءه. خطةُ سَلبِ الكِباش مِن مَرابضِها هي الأعجب فيما صدر مؤخرًا مِن قرارات؛ فالآثار المُكدَّسة بالمخازن لا حصر لها، واستنساخ كِباشٍ أخرى بأيدي النحاتين المصريين أمرٌ واردٌ لا مَأخذ عليه ولا لوم، أما الفكرة التي يجري تنفيذها فخارج نطاق العقل.
***
تحرُس الكباشُ العابرَ في المَمَرِّ؛ فماذا تفعل ومُؤخراتها تواجِه السائرينَ في مَيدان التحرير، ولماذا تنظر نحو المسَّلة التي اختلَّ بها ميزان الكُتلة والفَراغ؛ فصارت أشبه بالخازوق، وأي مَعايير جَمالية يُمكِن العثور عليها في هذا التكوين العجيب؟
***
مِن الناس مَن تجعله بيئته مُلتزمًا بنهج تقليديٍّ لا يَحيد عنه، ومَن يملك مساحات مَرنة تسمح له بالخروج مِن القوالبِ وكَسر القيود، ومِنهم كذلك مَن يُفضّل ألا يُجهِد نفسَه، ويُتعِب عقلَه، وأن يترك المُهِّمة العَصيبةَ لآخرين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved