سد النهضة.. نتفاءل نعم ولكن بحذر شديد

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الجمعة 24 يناير 2020 - 10:10 م بتوقيت القاهرة

سؤال: هل من حق المصريين أن يتفاءلوا بما حدث فى جولة المفاوضات الأخيرة بشأن سد النهضة، فى واشنطن نهاية الأسبوع الماضى؟!.
الإجابة هى: نعم.
سؤال آخر: وهل من حق المصريين الشعور بأن المشكلة انتهت، وأن مياه النيل لن تتأثر ببناء سد النهضة؟!.
الإجابة هى: «لا» قاطعة.
ما حدث فى واشنطن تطور مهم جدا، إذا تمت مقارنته بالموقف الإثيوبى المتعنت جدا. ومن حقنا أن نفرح، حينما نجد ذلك مترجما فى اتفاق نهائى. قرأت واستمعت للعديد من الخبراء والمسئولين فى هذا الملف الذى أراه الأكثر أهمية لكل المصريين.
استمعت لوزير الخارجية السفير سامح شكرى، وهو يتحدث لعمرو أديب على قناة «إم بى سى مصر».
وقرأت لأكثر من خبير ومتخصص، فى هذا الملف، خصوصا الوزير الأسبق د. محمد نصر علام، والباحث المرموق د. هانى رسلان.
نعلم جميعا أن الاجتماع الرابع بين وزراء رى الدول الثلاث ــ مصر وإثيوبيا والسودان ــ فى أديس أبابا، قبل نحو أسبوعين، قد فشل تماما. ورأينا افتراءات إثيوبية كثيرة ضد مصر، قامت وزارة خارجيتنا بتفنيدها، بل وعددت المماطلات الإثيوبية، التى حاولت فرض أمر واقع وبسط سيطرتها على النيل الأزرق، وشراء الوقت بطلب وساطة جنوب إفريقيا، بما يعنى أنها حكمت على محادثات واشنطن الأخيرة يوم ١٣ و١٤ يناير الحالى بالفشل.
بعد هذا التطور السلبى اعتقد الجميع أن مفاوضات واشنطن ستنهار حتما، لكن البلدان الثلاثة والولايات المتحدة والبنك الدولى، أصدروا بيانا كان مفاجئا للجميع، تحدثوا فيه عن التوصل لاتفاق مبدئى.
ولكى يكون الكلام واضحا فإن النقاط الست لا تشكل اتفاقا، ولكنها عناصر توضح القضايا الأساسية التى ستكون متواجدة فى الاتفاق النهائى، الذى يفترض التوصل والتوقيع عليه يوم ٢٨ و٢٩ يناير الحالى. من الآن وحتى الذهاب إلى واشنطن، وطبقا لمحمد السباعى المتحدث باسم وزارة الرى فإن الدول الثلاث بدأت على مستوى الخبراء، مناقشة المسائل الفنية والقانونية المتعلقة بالاتفاق المأمول.
غالبية العناصر الست التى تم الاتفاق عليها، تميل لتأييد وجهة النظر المصرية، خصوصا ملء السد طبقا لهيدرولوجية النيل الأزرق وكميات الفيضان المتغيرة من سنة لأخرى، وليس حسب سنوات معينة. وهذا البند كان فى صلب المطالب المصرية الأساسية.
ومن المهم أيضا أنه تم التوصل إلى تعريفات محددة لحالة الجفاف وللجفاف الممتد، وتلتزم إثيوبيا بإجراءات للتعامل مع هذه المشكلة.
والنقطة الثانية أن الملء سيتم خلال موسم الأمطار من يوليو إلى أغسطس، وفقا لشروط معينة. أما النقطة الثالثة فقد أعطت ميزة معنوية لإثيوبيا، حينما قالت إن المرحلة الأولى للملء ستتضمن ٥٩٥ مترا فوق مستوى سطح البحر، لضمان التوليد المبكر للكهرباء، حتى تستطيع إثيوبيا تشغيل أربعة من توربينات السد، لتقول لشعبها إن هناك إنتاجا فوريا للكهرباء حتى لو كانت بكميات قليلة، على أن تصاحبها إجراءات وتدابير مناسبة فى حالة الجفاف الشديد لمصر والسودان.
النقطة الرابعة أن المرحلة اللاحقة من الملء، ستنفذ وفقا لآلية يتم الاتفاق عليها بناء على الظروف الهيدرولوجية للنيل الأرزق، بما يوفر إنتاج الكهرباء لإثيوبيا، وتدابير التخفيف من الجفاف لمصر والسودان. النقطة الخامسة أنه خلال التشغيل على المدى الطويل سيعمل السد وفقا لآلية تحدد إطلاق المياه وفقا للظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق ومستوى المياه فى سد النهضة، وتدابير مناسبة لمصر والسودان فى حالة فترات الجفاف أو الجفاف الممتد.
والنقطة السادسة والأخيرة هى إنشاء آلية تنسيق فعالة وأحكام لتسوية النزاعات.
مرة أخرى ما حدث تطور مهم جدا لصالح المفاوض المصرى، لكن هناك عناصر غامضة لا نعرف كيف سيتم ترجمتها فى الاتفاق النهائى خصوصا كيفية التعاون فى التشغيل، وآلية ذلك، وما هى كمية التدفقات التى سيتم إلزام إثيوبيا بها فى الحالات المختلفة لإيراد النهر، وكيف يمكن فض المنازعات، بسبب التغير فى كمية الفيضان؟
هذا الغموض هو «شيطان التفاصيل» الذى يتكلم عنه الجميع، ولذلك يمكن فهم عدم مسارعة مصر للحديث عن تحقيق تقدم، بل استخدام تعبير «التفاؤل الحذر»، الذى تحدث عنه الوزير سامح شكرى، وهو ما يعنى تحسب المفاوض المصرى لأى مفاجآت إثيوبية جديدة، تعودنا عليها خلال السنوات الماضية.
لو حدث الاتفاق بالصورة التى تأملها مصر، فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سيكون قد حقق إنجازا عجز عنه الكثيرون منذ عام ٢٠١١، ووقتها سيمكن القول إن مصر تخلصت من مشكلة صعبة جدا، حتى يمكنها أن تتفرغ لمواجهة مشاكل صعبة أيضا فى العديد من الاتجاهات. وإلى أن يحدث ذلك، علينا أن ننتظر لنرى الاتفاق النهائى.
ونتمنى أن يتنبه خبراؤنا القانونيون إلى كل كبيرة وصغيرة فى صياغة الاتفاق الذى سيؤثر فى مصير الأجيال الحالية والقادمة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved