فرعون وصانعوه

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 24 مارس 2017 - 11:35 م بتوقيت القاهرة

لم تمر دقائق قليلة على وصول السيارة وانطلاقها بى، حتى فاجأنى السائق دون سبب واضح بالمأثور الشعبى العظيم: «قالوا لفرعون إيش فرعنك؟ قال ما لقيتش حد يلمنى».
كعادة السائقين أغلبهم؛ ما إن أحسَ الرجل باستعدادى للسماع حتى انطلق يحكى بلا توقف، على مدى ساعة وعشرين دقيقة بالتمام هى عمر الرحلة التى قطعتها فى وسط المدينة. بدأ الكلام ببعض التذمر مِن الأحوال، وحين وجد منى قبولا وموافقة، راح يسبُ ويلعن الزمن الردىء والشعب الذى يرضى بالذل. سألنى لا يريد منى إجابة بل أن أتركه يسترسل ويجيب: بيقول لك مبارك هو السبب، ماذا فعل مبارك؟ نحن الذين تركناه، ولو أوقفناه من البداية ما صار فرعونا. أمِّنت على كلامه فألقى مرة ثانية بالقول المأثور عن فرعون وطغيانه؛ مبارك صنيعتنا لا صنيعة نفسه.
***
راح الرجل يسرد مقتطفات مِن حياته؛ هو فى منتصف الأربعينيات وإن تحوَل شعر رأسه إلى اللون الأبيض سائدا والرمادى متناثرا، قال إنه عمل سائقا فى شركة سياحة وحين توقف حال السياحة طلب منه المالك أن يصبح سائقه الخاص فرضى، كان راتبه ضئيلا جدا لقاء سبع عشرة ساعة من العمل اليومي، يقضيها فى خدمة الرجل وزوجته وأولاده، وحين طلب علاوة وترك لمخدومه أن يقرر مقدارها بنفسه، رفض الرجل وقال له تقدم باستقالتك إن شئت. تقدم السائق فعلا باستقالته فتراجع الرجل وأخبره أنه سيخصص له مبلغا إضافيا. راح السائق فى نهاية الشهر يتسلم الراتب مستبشرا فوجد مقدار الزيادة نحو مائة جنيه.
لم أقاطع حكايته لكنه خفض صوته تدريجيا وجعل يكلم نفسه وكأنه نسى وجودى مُستَمِعة: «طعام الكلب الذى كنت أبتاعه له وحده أكثر من مرتبى كاملا فى الشهر الواحد، قلت له إن لدى كلبين فى البيت لا أريد تعليمهما فى المدارس، لا أريد إلا إطعامهما هما وزوجتى فقال لى إننى طماع ولا يصح أن أكلمه بهذه الطريقة فى وجهه. قلت له أعرف أن مقامى أدنى من الهاموشة التى تقف أمام وجهك، الهاموشة أقوى منى لأنها تقف أمامك بينما أنا لا أستطيع، أنا لا شىء فى هذه الحياة مقارنة بك بينما أنت تملك كل شىء، يا باشا اعتبر الزيادة مِنَة تمِن بها على كلبك أو كلب حرمك».
***
سكت السائق وعاد إلى الحديث عن الغلاء والخداع وعن «المقلب» الذى وقع فيه أغلب البسطاء مثله فى السنوات القليلة الماضية، ومن جديد، ألقى باللوم على الناس التى تنمى فى الحكام بسلوكها الخاضع الخانع وبأسلوبها السيئ الذى يناور ولا يعرف المواجهة، خصال الاستبداد والتجبُر والتكبُر. فكرت أن ألفت نظره إلى التناقض بين حكايته الشخصية واستيائه العام، أنبهه إلى أنه يبدو بما حكى واحدا من هؤلاء الناس الذين ينتقدهم، هؤلاء الذين يطلبون مِن السيد أن يمسك بالسوط ويجلدهم ثم يبصق عليهم. صحيح أنه غادر عمله إلى غير رجعة، فقد طرده مخدومه فى نهاية الأمر، لكنه بالتأكيد أسهم قولا وفعلا فى تكريس سلطة فرعون صغير ضمن سلسلة فراعين كُثر. فكرت أن أجيبه بمثل آخر: «أسمعك أصدقك، أشوف كلامك أستعجب» ثم فضلت الصمت.
***
سألوا فرعون وردَ عليهم، كأن الأخذ والرد ممكنان، وكأن فرعون ينتظر السؤال ليلقى على سائليه الإجابة الحكيمة، لم يجد مَن «يلمّه» أى مَن يوقفه عن فعله بالشدة وفى قول آخر لم يجد مَن «يرده»، أى مَن يردعه عن غيه. تقول كتب الأمثال الشعبية إن هذا المثل يُضرَب فى إعراض الناصح عن النصح ومِن ثم تمادى المخطئ فى سلوكه غير المقبول، لكن هذا التفسير يبدو شديد الكياسة والتهذيب، فالأمر ليس فى إعراض الناصحين بل فى قمعهم وإسكاتهم عنوة وقطع ألسنتهم فى أحوال عديدة.
***
مفهوم أن صناعة الظالم المستبد عادة متأصلة لدى المصريين، تُؤدى طقوسُها المعروفة ويبرع فيها أشخاصٌ بأعينهم ويبذلون الجهود الحثيثة، فما إن يتمكن الفرعون وتستتب له الأمور حتى يأخذ صناعه فى الصراخ من أفعاله، وبالمثل؛ يصرخ مَن وقفوا يتابعون ويصفقون ومَن انسحبوا ناقمين صامتين. نبدى جميعا الندم ونحذِر مِن إعادة التاريخ ونطالب بالتعلُم مِن الدرس المتكرر، فإذا شاء الحظُ الحَسِن أن يرحل عنا، غلبتنا الوحشة ورحنا نبحث فورا عن فرعون جديد، يمكن أن ننفخ فى ذاته مِن حماقتنا وأن ننصِبَه فى المكان الشاغر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved