أصدقائى.. رواية لا يمكن نسيانها
سيد محمود
آخر تحديث:
الأربعاء 25 مارس 2026 - 1:11 ص
بتوقيت القاهرة
لا أستطيع وصف الشعور الذى لازمنى طوال أيامٍ تفرغتُ فيها لقراءة الترجمة العربية لرواية «أصدقائى» التى أصدرتها دار الشروق للروائى الليبى هشام مطر؛ فقد بقيتُ لعدة أيام مأخوذًا بطابعها الشجى ونبرتها العاطفية التى تتدفق بسخاء.
ودون مبالغة، أعتقد أن «أصدقائى» من بين أجمل الروايات التى قرأتها فى حياتى.
لم أستمتع منذ سنوات بقراءة رواية كهذه الرواية التى سكنتنى بالفعل، وتمنيت معها لو أن لغتى الإنجليزية ساعدتنى على كشف طبقاتها المتعددة.
قرأتها بتمهلٍ يخالف طبيعتى فى القراءة، ربما لأننى لم أحب مفارقتها أبدًا، وأردت أن تبقى فى روحى مثل ندبة أو جرحٍ لا يشفى.
تشبه الرواية ورطةً لا يمكن النجاة منها، بل هى علاقة حب يدخلها القارئ مع جميع الشخصيات التى وزّع مطر أدوارها عبر بناء فنى بسيط ومذهل فى آنٍ واحد، جاء أقرب إلى بناء مقطوعة موسيقية تبدأ بـ«الكريشندو» (Crescendo) تتصاعد معه نغمة التشويق، ثم يهبط بالإيقاع عن قصد إلى «ديمينويندو» (Diminuendo)، أى خفض مستوى الصوت أو شدة إيقاعه ليصبح أكثر هدوءًا.
نتابع فى الرواية حكاية يقدمها بطلها خالد عن قصة قصيرة عنوانها «الممنوح والمأخوذ»، استمع إليها وهو طفل يجلس مع عائلته عبر إذاعة بى بى سى، بعد أن قرأها إذاعى ليبى شهير محسوب على قوى المعارضة؛ لذلك اختار قصة لكاتب ليبى مجهول تندد بحكم القذافى.
بعد وقت قصير، يتعرض المذيع للاغتيال أثناء خروجه من صلاة الجمعة فى أحد مساجد لندن.
بعد 15 عامًا، يصبح كاتب القصة صديقًا لخالد الذى يسافر فى منحة دراسية إلى إدنبرة، وهناك يتعرف على مصطفى، الذى يدعوه للمشاركة فى مظاهرة أمام السفارة الليبية فى لندن فى 17 إبريل 1984، انتهت بإطلاق الرصاص من داخل السفارة، حيث أصيب خالد بجروح خطيرة، أدرك بعدها أنه لم يعد بإمكانه العودة إلى بلاده خوفًا من تعرّف السلطات الحاكمة عليه وإيذاء أفراد عائلته.
كما تعيّن عليه الاختباء فى بريطانيا لكى لا يتعرف عليه كتبة التقارير الأمنية، وخلال تجاربه فى التخفى يتعرف على أصدقاء آخرين، من بينهم «رنا» وحسام، مؤلف القصة التى استمع إليها من الإذاعة وألقت بظلالها على حياته.
عقب سقوط القذافى، وذيوع صوت الأمل تطرح فكرة العودة إلى أرض الوطن استجابة لنشوة التغيير . لكن خالد يبقى فى لندن، متأملًا فى جحيم الذات، فى تناص مذهل مع «رسالة الغفران» لأبى العلاء المعرى، الحافل هو ذاته بـ «تناصات» كثيرة مع نصوص أخرى، غير أنه يكتسب دلالة أخرى فى الرواية مستمدة من علاقة الأب بالكتاب، إذ يظل دالًا على أمل الراوى فى العودة إلى أبيه.
تبدأ الرواية من أعلى نقطة، عندما نرصد تفرّق حسام وخالد وهما فى منتصف العمر؛ إذ يذهب الأول للعيش فى كاليفورنيا، بينما يعيش مصطفى فى ليبيا مع الميليشيات. فى حين يرافق خالد، الذى يؤدى دور الراوى، حسام إلى القطار ويودعه فى إحدى المحطات بعد أن عاشا أمسية للتذكر.
تحمل الرواية أسئلة عن الكيفية التى يعيش بها المعارضون تجارب المنفى واللجوء السياسى تحت وطأة الشعور بالخوف والاستسلام لهاجس المراقبة والتخفى. تفعل ذلك ببساطة ودون استسلام لأى صيغ نمطية متكررة، فهى تواجه بضراوة عملية تنميط المنفى والعلاقات الإنسانية التى تنشأ فى إطاره سواء كانت علاقات الحب أو الصداقة، فهى غير مأزومة بالتخلى.
أتابع كتابة هشام مطر، ويذهلنى أنه بعد خمسة أعمال ناجحة نالت جوائز عالمية كبرى، ما زالت عائلته قادرة على إلهامه، كما لا تزال فكرة كتابة رواية عن الصداقة مغرية بالنسبة له أيضًا. فالشاهد أن تاريخ الأدب يمتلئ بروايات أدت هذا الغرض بنجاح، لكن ما يجعل هشام مطر متميزًا مقارنة بغيره أنه لا يرغب فى التحرر من تاريخه الشخصى.
كما أنه يجعل الرواية ذاتها تجربة صداقة من نوع آخر، يخشى القارئ من توقف الحوار معها أو فقدانها.
من جهة أخرى، يماثل مطر نجيب محفوظ فى الإصرار على إعادة تمثل تجاربه الشائكة وتجنب ما فيها من مزالق، دون التخلى عن أسئلتها، ويعيد بكفاءة منقطعة النظير فكّ تراكيب عوالمه وصبّها فى قوالب جديدة.
هكذا فعل محفوظ فى «الحرافيش» بعد المعارك التى خلفتها «أولاد حارتنا»، وهكذا يفعل مطر مع كل عمل جديد يكتبه؛ إذ يحتفظ أفراد العائلة بحضور سخى وراسخ، فى مقابل ما توحى به الفكرة الشائعة عن رغبته الدائمة فى معاودة الكتابة عن فقد والده وغيابه، فالأب فى «أصدقائى» حاضر وفاعل سواء بالسيرة التى تشيع عنه أو بالحكمة التى ينتجها.
كتبت لهشام مطر أشكره على المتعة التى غمرتنى، وعلى الألم والحنان اللذين تدفقا من سطورها. كما شكرته على اختيار المترجمة العمانية زوينة آل توية لترجمة روايته إلى اللغة العربية، فى ثانى تجربة للتعاون معها بعد كتابه الاستثنائى «شهر فى سينا».
تعيد زوينة، التى لا أعرفها الاعتبار لمفردات أهملناها فى لغتنا العربية، وتجدد صلاحيتها وتزيل عنها غبار النسيان لنكتشف معها قدر ما تحتويه لغتنا من جمالٍ متروك.