استشراف أم إحباط؟

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 24 أبريل 2019 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

لو حاول عالم سياسة واجتماع استشراف مستقبل الأمة العربية فى بداية القرن الواحد والعشرين لخرج بصورة ترجيحية قاتمة مليئة بالإحباط واليأس. آنذاك كان الاستبداد السياسى مهيمنا على كامل الأرض العربية، وكان الشعب العربى فاقدا للإرادة ومستسلما لقدرة البائس.
لو حاول نفس العالم استشراف مستقبل العرب فى بداية العقد الثانى من القرن الذى نعيش، عندما خرج الملايين إلى الساحات العامة وأسقطوا أنظمة ديكتاتورية فاسدة خلال أيام معدودة، لخرج بصورة ملؤها الأمل والثقة الكبيرة فى المجتمعات المدنية العربية، وفى مقدمتها شباب وشابات العرب الذين أبهروا العالم بأساليب نضالاتهم وبقدراتهم المبهرة فى تجييش الملايين. آنذاك عادت العافية السياسية وقويت المشاعر والآمال.
لكن لو عاد ذلك العالم وحاول الاستشراف بعد النكسات والفواجع والهزائم التى أوقفت الحراكات والثورات، حيثما اندلعت، وقادت إلى رجوع قوى جديدة مستبدة فاسدة، خلال فترة قياسية قصيرة، لخرج مرة أخرى بنفس الصورة الترجيحية الأولى المليئة بالإحباط واليأس.
اليوم، وبعد عودة الروح ويقظة الكرامة فى الحراكات الجماهيرية الهادرة فى القطرين الجرائرى والسودانى، ومع الاستنباطات التجديدية فى وسائل النضال التى شهدتهما الساحتان، ومرة أخرى أبهرت العالم، ترى ماذا سيقول عالمنا السياسى الاجتماعى إذا حاول للمرة الرابعة استشراف مستقبل هذه الأمة القادرة على تفجير المفاجآت المبدعة؟
السؤال الذى يطرح نفسه هو: ما سبب هذا التأرجح فى استنتاجات عالم استشراف المستقبل؟ هل أن السبب يكمن فى عدم قدرة هذه الأمة على الثبات والصبر والنفس الطويل فى حياتها السياسية، أم أن السبب يكمن فى شيء آخر؟

أعتقد أن السبب يكمن فى وجود نقاط ضعف فى منهجية استشراف المستقبل. فى مقدمة تلك النقاط هى أن استشراف المستقبل يهتم بالدرجة الأولى بالأحداث الحسية والمادية التى أمامه، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار بالظواهر غير المحسوسة والخفية فى تاريخ الأمة وفى ثقافتها وفى وعيها لمعنى الحياة.

إن تلك النظرة المقتصرة على ما يراه الإنسان ويحسه تتولد عنها نقاط ضعف أخرى. مثلا، تجارب الأقطار العربية التاريخية فى الساحات النضالية السياسية تختلف من قطر إلى آخر. تجربة ونضج قطر مثل الجزائر، قدم أكثر من مليون شهيد فى سبيل دحر الاستعمار الفرنسى، لا يمكن مقارنتهما بتجربة ونضج قطر لم يدخل مثل تلك التجربة. من هنا فإن تعميم تجربة وأوضاع قطر عربى معين على كل أقطار الوطن العربى والخروج باستشراف مستقبلى واحد يمكن أن يؤدى إلى أخطاء فادحة.

الأمر نفسه ينطبق على الاهتمام فقط بالإحصاءات الكمية دون الانتباه إلى الجوانب الكيفية. فالكيفية التى يدار بها حراك جماهيرى فى قطر قد تختلف عن الكيفية التى يدار بها حراك جماهيرى فى قطر آخر. هنا أيضا تتأثر عملية الاستشراف إذا لم يؤخذ فى الاعتبار هذا العامل.

ما يدعونا إلى التذكير بكل ذلك هو الجو التشاؤمى وفقدان الأمل الذى خيم على كل الوطن العربى بمجرد حدوث انتكاسات لبعض الحراكات الجماهيرية العربية ومطالبة شباب وشابات الأمة بالتوقف عن خوض محاولات نضالية جديدة، إذ سيكون مصيرها الفشل.

لكن ما يجرى فى الجزائر والسودان يثبت أن التعميم فى استشراف المستقبل يجب أن يؤخذ به بحذر شديد للغاية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بثورات جماهيرية كبيرة، بالغة التعقيد بالنسبة لإمكانياتها الذاتية من جهة وبالنسبة لتشابكها بمصالح داخلية، هى الأخرى متشابكة مع الخارج، من جهة أخرى.

إذا أضفنا إلى كل ذلك ضخامة وسرعة التغيرات التى تعيشها المجتمعات العربية، لأسباب داخلية وخارجية، فى حقول الحياة المعيشية الأساسية الضاغطة ليل نهار على الفرد العربى، سندرك أن محاولة استشراف المستقبل التى يتنطح للقيام بها كل من هب ودب، خصوصا الانتهازيين من الساسة والكتبة المأجورين، يجب أن تمحص كل استنتاجاتها لفصل السم من العسل ولإبعاد الأمة عن الشعور باليأس والقنوط الذى يريده البعض لها.

مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved