مراجعات فى حرية الصحافة!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 24 أبريل 2022 - 9:00 م بتوقيت القاهرة

«حان الوقت لضرب الصحفيين بالأحذية!»
كان ذلك تعبيرا منفلتا على لسان قيادات نافذة فى نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» ترددت أصداؤه بالفعل ورد الفعل فى أكتوبر (2007).
بدت تلك العبارة بحمولتها المسمومة تدنيا خطيرا فى لغة الحوار وكاشفة بالوقت نفسه عن أزمات معلنة ومكتومة توشك أن تنفجر.
«عصبية النظام وميله إلى العنف والتلويح به فى مواجهة حرية الصحافة تعبير عن أزمة استنفاد شرعيته وزمانه، وأنه بات عبئا ثقيلا على ضرورات التغيير الديمقراطى الواسع، فالنظم الواثقة من نفسها ومن شعبها تحاور وتبحث عن قواعد مشتركة يمكن القبول بها، لا أن تهدد برفع الأحذية والضرب بها»، كما كتبت وقتها على صفحات جريدة «العربى».
لسنوات طويلة بدا نظام «مبارك» مستعدا لدفع فاتورة حرية الصحافة واحتمال تكاليفها، باعتقاد أنها تساعد على تحسين صورة النظام وتخفف الضغوط الدولية عليه.
لمرات عديدة اصطحب مسئولون كبار فى زياراتهم للولايات المتحدة، من بينهم «جمال مبارك» نجل الرئيس، نسخا من صحف المعارضة ليثبتوا بها اتساع هامش الحريات الصحفية، وإن كل شىء قابل للنقد بما فى ذلك رئيس الجمهورية.
سرى اعتقاد واسع فى أوساط السلطة أن النظام هو أكثر المستفيدين من الحريات الصحفية، بظن أنها محدودة فى صحف بعينها، وأن الصحافة القومية يمكن أن تضبط الإيقاع، غير أن تلك الصورة تبددت، فالصحافة القومية بدت وقتها كأفيال تذهب إلى مقابرها، العوالم اختلفت مع ثورة المعلومات، واحتياجات المجتمع توسعت وتعقدت، ولم يعد ممكنا السيطرة عليها بالطرق التقليدية.
فى خريف (2010) تأكدت المخاوف من أننا أمام انقضاض واسع محتمل على هامش الحريات الصحفية والإعلامية فى مصر، فرغت منابر صحفية من أدوارها المعارضة بصفقات رجال أعمال وأغلقت منصات فضائية.
كان ذلك تطورا خطيرا افتقد الحد الأدنى من الرشد السياسى.. فالحريات الصحفية والإعلامية ضمانة عامة تحصّن المجتمع ضد العنف والانخراط فيه، وتعطيه أملا فى التغيير السلمى الآمن.
الحوار – مهما كان صاخبا وحادا – فإنه يجرى بالعلن، لغته التغيير السلمى وقضيته الإصلاح السياسى والدستورى، ومادته قضايا الناس الحياتية.
عندما تقلصت الحريات الصحفية بعض الشىء بقبضة السلطة ، غامت الرؤية فى البلد، وبدأت السيناريوهات الأخرى تتفاعل فى المجهول.
تجاورت فكرتان متناقضتان على نحو مربك فى أروقة السلطة العليا.
الأولى، تعتقد أن نظام الحكم المستفيد الأول من الحريات الصحفية والإعلامية، وأن الهامش الواسع من الحرية العرفية مكّنه من كسب الرهان على البقاء لسنوات إضافية.
والثانية، ترجع أزمات النظام المستحكمة إلى الإعلام، لا السياسة.
بصياغة واضحة قال وزير الإعلام «أنس الفقى»: «نظام الحكم هو المستفيد الأول من الحريات الصحافية والإعلامية».. لكنه فى أوقات لاحقة عبّر عن الفكرة العكسية بصراحة مماثلة عندما تبنى مشروعات تقيد الحريات الفضائية العربية، كأن المشكلة فى الإعلام لا فى السياسة نفسها.
قيل وقتها إن الأزمات يضخمها الإعلام ويثير حولها المشاعر العامة، بينما يتجاهل إنجازات «مبارك» ينتقدها ويسخر منها.
قرب نهاية نظام «مبارك» قال الدكتور «محمود محيى الدين» وزير الاستثمار الأسبق فى جلسة ودية ضمتنا بأحد فنادق القاهرة: «مشكلتنا فى الإعلام».. عندما علت الدهشة الوجوه أخذ يشرح فكرته بقدر من التوسع.. فالإعلام الرسمى مقصّر، والإعلام المعارض والخاص أكثر تأثيرا، وأنه إذا توافرت الكفاءات المهنية فى الصحف القومية فإن الصورة يمكن أن تتغير، والرأى العام يمكن أن يقتنع.
قلت: «هناك قاعدة إعلامية تقول: أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع».. لكنه لم يكن مقتنعا بأن السياسة المصرية غير مقنعة!
ما بين الفكرتين تناقضت المواقف وارتبكت السياسات.
فى الفكرة الأولى، بدا وزير الإعلام متأثرا بما شاع وقتها فى دوائر السلطة العليا من أن الحرية النسبية فى تداول المعلومات والأفكار والآراء عبر المنابر الإعلامية المختلفة أدت إلى إفساح شىء من الأمل فى الإصلاح السياسى والدستورى والانتقال السلمى للسلطة.. واستبعاد أى احتمالات وسيناريوهات تتبنى الوسائل العنيفة فى التغيير.
هذه الفكرة أفضت إلى تبنى بعض التوجهات الإعلامية الجديدة، من بينها اتجاه المجلس الأعلى للصحافة برئاسة «صفوت الشريف» للموافقة على كل إصدارات الصحف الجديدة التى عرضت عليه وفق القانون، واتجاه وزير الإعلام نفسه لمنافسة الفضائيات الخاصة بأساليبها، وتوسيع هامش الحرية فى برامج التلفزيون المصرى بصورة محدودة لكنها ملموسة.
وفى الفكرة الثانية، بدا الوزير نفسه بتأثير الضيق المتزايد فى الدوائر العليا ذاتها من الحريات الصحفية والإعلامية.. وللضيق منطقه، الذى يميل إلى تصوير حرية الصحافة عدوا لدودا يتربص بالحكم ويعمل على اغتياله معنويا.
بدا ذلك المنطق مزدوجا.. فهو انتقادى للإعلام الرسمى، وانتقامى من الإعلام الخاص، الذى أخذ يتعرض لضغوط متصاعدة على رجال الأعمال الذين يمتلكون وسائله صحفا وفضائيات.
هكذا تجلت هشاشة صيغ الملكية لوسائل الإعلام الخاصة، ونقاط الضعف الجوهرية فيها.. فالحرية النسبية تقابلها ملفات رجال الأعمال، وأوجه الخلل والتجاوز فيها تحت يد الدولة تساوم وتضغط بها وقت اللزوم، وتلوح بالعقاب الصارم، وتملى إرادتها، إلى حد أن بعض الجهات أخذت توجه بعض مذيعى الفضائيات وهم على الهواء مباشرة لأسئلة معينة، أو تمنع الخوض فى ملفات بعينها!
كان ذلك وضعا مزعجا، انتقص من الحريات الإعلامية ووضع صدقية البرامج الفضائية تحت مقصلة الرأى العام.
حدثت مشادات بين قيادات إعلامية ومقدمى برامج، الطرف الأول يملى، والطرف الثانى يحاول أن يحافظ على احترامه لنفسه.
ثم نشأ تطور خطير ينال من الحريات الإعلامية، بمشروع قانون «تنظيم البث المسموع والمرئى»، الذى استدعى مخاوف العودة للرقابة على وسائل الإعلام، وفرض السيطرة الكاملة للدولة وأجهزتها عليها.
فى حيرة النظام بين الانفتاح على الحريات الصحفية وأحاديث الأحذية داهمته العواصف فى «يناير» (2011).
لم تكن الحريات الصحفية والإعلامية المتسعة لحدود غير مسبوقة فى سنوات «مبارك» الأخيرة منحة من أحد، ولا هدية مجانية هبطت على صالات التحرير واستديوهات الفضائيات.
كما لم تكن هى من أطاحت بالنظام فى النهاية، فقد لقى مصيره بانسداد القنوات السياسية والاجتماعية وإغلاق أبواب الأمل فى أى إصلاح سياسى من داخله.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved