الضمير والعدالة.. بن غفير ليس وحده!

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأحد 24 مايو 2026 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

«أهلا بكم فى إسرائيل»!

بدت عبارة الترحيب بنصها وأجوائها ورسائلها على لسان وزير الأمن القومى الإسرائيلى «إيتمار بن غفير» تعبيرًا صريحًا عن إسرائيل الحقيقية، لا إسرائيل المُدَّعاة.

استدعت الصور المفزعة، التى سجلها وبثها بنفسه لاستقبال ناشطى أسطول «الصمود»، إدانات دولية واسعة، لم يكترث بها!

وبتعبير رئيس المجلس الأوروبى «أنطونيو كوستا»: «أنا مصدوم مما رأيت»، كأن هناك مفاجأة فى أن تُنسب إلى دولة الاحتلال، و«بن غفير» بالذات، جرائم ضد الإنسانية.

تاريخه كله مشين بأى معنى سياسى أو أخلاقى، وقد استدعى فرض عقوبات قانونية عليه تمنعه من دخول بلدان أوروبية عديدة.

ووفق تسريبات من المحكمة الجنائية الدولية، فهناك مذكرات توقيف محتملة قد تصدر بحقه مع أربعة قيادات أخرى، هم وزير المالية «بتسلئيل سموتريتش»، ووزير الدفاع «يسرائيل كاتس»، ورئيسا الأركان السابق والحالى «هرتسى هليفى» و«إيال زامير»، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

إذا صحت المعلومات المسربة عبر موقع «ميدل إيست آى» البريطانى وصحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية، فإن ذلك يُعد تصحيحًا للعدالة المختلة، التى مكنت دولة الاحتلال من المضى قدمًا فى حربى الإبادة والتجويع تنكيلًا بغزة وأهلها دون خشية عقاب، استنادًا إلى الدعم اللامحدود من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

 «إنهم ليسوا أبطالًا على الإطلاق».

كان ذلك تصريحًا آخر لـ«بن غفير»، تبناه عمليًا رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» بوصف أساطيل «الصمود» بـ«أساطيل حماس»، لكنه أردف مراوغًا أن المشاهد المصورة «لا تتوافق مع قيم ومبادئ إسرائيل»!

بالتوقيت، قصد «بن غفير» تعزيز فرص حزبه فى انتخابات الكنيست المقبلة بعد تمرير قانون مقترح من الائتلاف الحاكم بالقراءة الأولى يحل به نفسه.

أراد أن يقول إنه الأكثر حرصًا على أمن إسرائيل، التى تتهددها أساطيل من مساعدات!

لم يكن أحد فى العالم مستعدًا لأن يتقبل، أو أن يسوغ، التنكيل المفرط ضربًا وسحلًا وصعقًا بالكهرباء بالنشطاء الغربيين، الذين جرى اعتقالهم فى المياه الدولية قبل أن يصلوا إلى غزة المحاصرة لإيصال المساعدات لأهلها المجوعين.

جرى استدعاء السفراء الإسرائيليين فى (9) دول غربية هى فرنسا وإيطاليا وكندا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيرلندا وأستراليا ونيوزيلندا احتجاجًا على الانتهاكات التى جرت بحق مواطنيهم، دون أن تشمل الإدانات المتواترة السياسات الإسرائيلية المنهجية المتبعة فى تعذيب الفلسطينيين والعصف بأى حقوق لهم.

وشملت موجات الإدانات ــ بالمفارقة ــ السفير الأمريكى فى إسرائيل «مايك هاكابى»، الذى دعا علنًا قبل فترة قصيرة إلى «إسرائيل الكبرى» بذريعة أحقيتها فى ضم أراضٍ عربية!

بصورة شبه متعمدة، لُخِّصت الانتهاكات الوحشية فى «بن غفير» وحده.

كان ذلك إخلالًا جسيمًا بالحقيقة وتدليسًا عليها.

هكذا أُتيحت أمام «نتنياهو» فرصة التحلل من أى مسئولية سياسية وأخلاقية تتحملها حكومته، كأن وزير الأمن القومى فيها يتصرف وحده دون تفويض أو حساب على تصرفاته، التى وصفها العالم كله بأنها مشينة، واعتبرها وزير خارجيته تمثل إضرارًا فادحًا بجهود تحسين صورة إسرائيل!

وبقوة الصور تبدلت مشاعر وتغيرت أحوال بدت مستقرة وراسخة منذ تأسيس الدولة العبرية.

لم يعد ممكنًا تسويغ صورة الدولة الحديثة، واحة الديمقراطية فى محيط عربى متخلف ومستبد، أو صورة الدولة الصغيرة المسالمة التى يتربص بوجودها ومستقبلها العرب بداعى «العداء للسامية».

ولم يعد ممكنًا التجهيل بالمعاناة الفلسطينية الطويلة، من تهجير قسرى وفصل عنصرى، أو إنكار أحقية شعبها فى تقرير مصيره بنفسه.

إنه تطور حقيقى فى بنية الوعى الغربى بالقضية الفلسطينية، خاصة بين الأجيال الجديدة.

بقوة الصور: ما ترسخ طويلًا يتبدد أثره الآن.

المُلفت هنا أن السياسات العربية تكاد تَضمحل ضعفًا وعجزًا عن استثمار انتفاضات الضمير الإنسانى فى الشوارع الأوروبية وداخل أمريكا نفسها.

لم تنهض للدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين، ولا انبرت لإدانة تأخذ فى أى اعتبار لاستصدار قانون من الكنيست يبيح إعدامهم.

فى أتون الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تبدت أمام الرأى العام فى الولايات المتحدة تساؤلات جدية حول مسئولية إسرائيل فى جرها إلى مستنقع الحرب وتكاليفه الاستراتيجية الباهظة على مصالح بلادهم فى الشرق الأوسط.

لم يعد مسلمًا به أن الدور الإسرائيلى مكون جوهرى فى حسابات المصالح والاستراتيجيات الغربية، بل عبئًا عليها.

وفى الوقت نفسه، تقوض أثر التجييش الدعائى لنموذج إسرائيل التى نهضت من «الهولوكوست» إلى الدولة.

تكفلت بتكريس ذلك النموذج وسائل الإعلام وهوليوود على مدى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، أفضت الرحلات التى نُظِّمت بتوسع لجماعات واسعة من الشباب الأوروبى إلى «الكيبوتسات»، التى تُعرف الآن باسم «المستوطنات»، إلى بناء قاعدة ولاء لنموذج دولة حديثة منفتحة على عصرها، اشتراكية وديمقراطية يحميها السلاح على ما كان يزعم مؤسسو الدولة!

لم يعد ممكنًا الآن أى ادعاء مماثل، فالأجيال الجديدة تغيرت بوصلة نظرتها، فالـ«كيبوتسات» أخذت صفتها الحقيقية كتجمعات استيطانية تتوسع على حساب السكان الفلسطينيين بالمخالفة للقانون الدولي، ويتفشى فيها اليمين الصهيونى بأكثر صيغه تطرفًا وعنصرية.

تبددت الدعايات وبقيت الحقائق.

بقوة الصور المتواترة، أعادت القضية الفلسطينية تعريف نفسها كقضية إنسانية تستحق الدعم والإسناد، وقضية تحرر وطنى عادلة ومحقة لشعب رازح تحت الاحتلال يطلب حقه فى الحرية.

فى كل صورة مأساة إنسانية كاملة.. والصور واصلة برسائلها إلى الضمير الإنسانى فى العالم كله طلبًا للعدالة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved