القواعد الإسرائيلية بالعراق.. شروخ فى جدار الأمن القومى العربى
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 24 مايو 2026 - 10:10 م
بتوقيت القاهرة
فى مقاله «أى عراق هذا المكشوف إسرائيليا؟»، طرح صديقنا الكاتب الصحفى خالد أبو بكر، سؤالا صادما، عن كيف تمكنت إسرائيل من استباحة العراق للدرجة التى مكنتها من إنشاء قواعد عسكرية سرية بأراضيها.
لم يقف أبو بكر عند واقعة عابرة فرضتها ظروف الحرب على إيران، بل نكأ جرحا متقيحا عمق من حسرتنا على بعض دول الإقليم المحورية التى لم تفقد قدرتها على حماية حدودها فحسب، بل تحولت إلى مساحات مفتوحة يسهل على أعدائها انتهاكها.
القضية لم تعد تتعلق بالعراق وحده، بل بحالة الوهن التى أصابت دولا مركزية بالإقليم، كانت إسرائيل تنظر إليها تاريخيا باعتبارها تمثل تهديدا لأمنها ومستقبل مشروعها فى المنطقة، فسعت إلى تفكيكها أو إضعافها، ضمن رؤية أوسع لإعادة «هندسة الشرق الأوسط» بما يتوافق مع مصالحها.
العراق تاريخيا، كان أحد أعمدة التوازن فى المنطقة العربية؛ فهو من دول المنطقة التى كان لها جيش يحسب له حساب ضمن معادلات الردع الإقليمى، ويمتلك طموحات عسكرية وسياسية جعلته يحتفظ بهامش استقلال عن الهيمنة الأمريكية، وهو ما وضعه مبكرا على بنك أهداف واشنطن وتل أبيب.
لم يُسقط الاحتلال الأمريكى عام 2003، وما سبقه من سنوات حصار قاس، نظام صدام حسين فحسب، بل أطاح ببنية الدولة العراقية نفسها، وأعاد تشكيل مؤسساتها السياسية والأمنية على نحو جعلها أكثر هشاشة وانكشافا أمام الاختراقات الخارجية.
وما هى إلا سنوات قليلة حتى تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الأمريكى والإيرانى، ثم لاحقا إلى مسرح تتحرك فيه قوى إقليمية ودولية داخل الفراغات الأمنية التى خلفتها سنوات الاحتلال، وعمقتها التجاذبات الطائفية والإثنية.
ما كشفته تقارير إعلامية عن وجود قواعد عسكرية إسرائيلية غرب العراق، يكشف حجم الرخاوة التى أصابت البيئة الأمنية فى دولة مثلت لعقود البوابة الشرقية للأمن القومى العربى.
المشهد فى العراق لا يمثل سوى نصف الصورة، ففى الجهة الأخرى كانت سوريا تمر بتحولات أكثر تعقيدا؛ فبعد نحو 15 عاما من الحرب الأهلية، وتفكك السيطرة المركزية على مساحات واسعة من البلاد، دخلت سوريا مرحلة إعادة تشكيل سياسى وأمنى عميقة، انتهت بوصول مجموعات أصولية إلى السلطة، لا يزال الجدل قائما حول طبيعة صعودها، وحدود علاقاتها الإقليمية والدولية.
فى قلب هذا الفراغ، برز الجنوب السورى باعتباره منطقة شديدة الحساسية، تزايدت بشأنها الأحاديث عن تفاهمات أمنية، بين سلطة دمشق الجديدة وتل أبيب، سواء بدافع العجز عن المواجهة، أو فى إطار إعادة ترتيب الأولويات والخصومات داخل المشهد السورى والإقليمى.
فى أكثر من مناسبة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أن قواته ستبقى فى «المنطقة العازلة» جنوب سوريا، معتبرا أن وجودها هناك «ضرورى للأمن القومى الإسرائيلى»، وأن الهدف من التمركز فى جبل الشيخ والنقاط المحيطة هو خلق «حيز أمنى لحماية البلاد».
تصريحات نتنياهو تعكس بوضوح استراتيجية تل أبيب القائمة على إنشاء نطاقات أمنية متقدمة لا تتوقف عند حدود الجولان والجنوب السورى، بل تمتد وظيفيا إلى قطع خطوط الإمداد والربط الجغرافى بين إيران وحلفائها فى المنطقة.
حينما أدلى نتنياهو بتصريحاته من أعلى جبل الشيخ، استدعت تقارير إعلامية الرؤية الصهيونية التى عرفت بـ«ممر داود»، وهو تصور جيوسياسى وأمنى يتحدث عن نطاق يمتد من شمال شرق إسرائيل عبر الجنوب السورى والبادية وصولا إلى غرب العراق، بما يتيح لإسرائيل بناء مجال حيوى أمنى يمنحها القدرة على التموضع العسكرى والاستخباراتى والتحرك داخل عمق هذا الإقليم بما يخدم أهدافها فى التوقيت الذى تراه مناسبا.
حتى وقت قريب، كان السؤال الأكثر تداولا فى الفضاء العربى يتعلق بمصير القواعد العسكرية الأمريكية فى الخليج بعد الحرب على إيران، أما اليوم، وبعد الكشف عن قواعد إسرائيلية سرية فى العراق، فقد أصبحت الأسئلة أكثر تعقيدا وقلقا.
فالقواعد الأمريكية فى الخليج، رغم الجدل حولها، أُنشئت وفق اتفاقيات معلنة وتفاهمات معروفة، وإن كانت الحرب الأخيرة قد فتحت الباب أمام مراجعة كلفتها وجدواها.
أما الحديث عن وجود إسرائيلى سرى داخل العراق، فإنه يطرح أسئلة أكثر خطورة تتعلق بالسيادة، والحدود، وحجم الفراغات والشروخ التى أصابت جدار الأمن القومى العربى، إلى الحد الذى جعل اختراقه أمرا ممكنا بهذا الشكل.
اليوم، لم يعد السؤال «كيف أصبحت الحدود مستباحة إلى هذا الحد؟»، بل متى يمكن أن يعيد العرب صياغة منظومة أمنهم القومى على أسس جديدة تضمن حماية دولهم، والحفاظ على سيادتها، وصون مقدراتها من التفكك والانكشاف والارتهان لصراعات الآخرين؟