المجتمع المدنى وإصلاحات الأمم المتحدة

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأحد 24 مايو 2026 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

فى مارس 2025 من العام الفائت، أطلقت الأمم المتحدة مبادرة «UN80»، وهى أجندة إصلاح شاملة تهدف إلى تحديث عملياتها وتفويضاتها وهياكلها، استعدادا للاحتفال بالذكرى الثمانين لتأسيسها. تسعى هذه المبادرة إلى جعل المنظمة أكثر مرونة وتكاملا واستجابة للتحديات المعاصرة، بدءا من تنامى الصراعات والنزوح وعدم المساواة، وصولا إلى الصدمات المناخية والتغيرات التكنولوجية السريعة، بالإضافة إلى محاولة مواجهة بعض الضغوط الخارجية الأخرى التى تعترض عمل أجهزة المنظمة الأممية ووكالاتها، مثل تقلص الميزانيات وتزايد الانقسامات السياسية.

ولمعالجة الإصلاح فى ظل نظام عالمى معقد كهذا، أنشأ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش سبع مجموعات تابعة لفريق عمل المبادرة، تتولى معالجة قضايا متعددة مثل السلام، والأمن، والعمل الإنسانى، والتنمية، وحقوق الإنسان، والتدريب والبحث، والوكالات المختصة.

ثلاثة مسارات للإصلاح

يعتقد البعض أن هذه المبادرة قد تمثل، فى جوهرها، بداية الاستجابة الفعلية لتزايد الانتقادات بأن النظام الأممى بات مترهلا، وغير فعال، ومنفصلا عن الواقع الميدانى.

وفى هذا السياق، أكد غاى رايدر، وكيل الأمين العام المعنى بالسياسات ورئيس فريق عمل الأمم المتحدة 80، أن المبادرة ستسلك ثلاثة مسارات رئيسة. يركز أولها على تحسين الكفاءة والفعالية الداخلية، وتقليص البيروقراطية، وتعزيز بصمة الأمم المتحدة عالميا من خلال نقل بعض الوظائف إلى مراكز عمل أقل تكلفة.

بينما يهتم المسار الثانى بمراجعة تنفيذ التفويضات كافة التى تشير إلى مهمات أو مسئوليات أسندتها الدول الأعضاء إلى المنظمة الأممية، عبر قرارات اتخذها بعض أجهزتها كالجمعية العامة أو مجلس الأمن، تجاه قضايا متنوعة من عمليات حفظ السلام والعمل الإنسانى إلى حماية حقوق الإنسان والعمل البيئى. فعلى مر العقود الماضية، تراكم ما لا يقل عن 40 ألف تفويض، وقد تداخلت أحيانا تلك التفويضات أو أصبحت قديمة.

أما المسار الثالث والأخير، فسيحاول استكشاف ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراء تغييرات هيكلية وإعادة تنظيم البرامج على مستوى منظومة الأمم المتحدة.

دور المجتمع المدنى: شراكة أم تهميش؟

على الرغم من أهمية غايات هذه المسارات الثلاثة لفريق عمل مبادرة الأمم المتحدة 80، فإن العديد من منظمات المجتمع المدنى سرعان ما أعربوا عن قلقهم البالغ إزاء استبعادهم من المناقشات ومجموعات العمل، حيث وقعت أكثر من 600 منظمة غير حكومية رسالة مفتوحة تنتقد غياب المشاركة الفعالة للجهات المحلية، محذرين من أن تهميش المجتمع المدنى قد يقوض شرعية هذه المبادرة الإصلاحية الجديدة وفعاليتها.

وكان من بين أكثر المقترحات إثارة للجدل فى إطار هذه المبادرة تلك التى تهدف إلى دمج الوظائف البرامجية وتبسيط العمليات الميدانية. وعلى الرغم من أن هذه المقترحات تقدم على أنها وسيلة للحد من التكرار وتعزيز الكفاءة، فإن منظمات المجتمع المدنى تحذر من أنها قد تؤدى إلى إعادة تركيز صنع القرار فى مقار الأمم المتحدة المركزية والإقليمية، بعيدا من المجتمعات المحلية المتأثرة مباشرة بالبرامج التنموية.

وتكمن إحدى نقاط القلق الرئيسة الأخرى فى مقترح «المنصات القطرية المتكاملة»، التى تهدف إلى توحيد وكالات الأمم المتحدة تحت هيكل قيادة موحد على المستوى الوطنى. وعلى الرغم من أن هذا الأنموذج قد يحسن عمليات التنسيق الداخلى، فإنه قد يقصى فى الوقت ذاته الأصوات المستقلة للمجتمع المدنى، لمصلحة شركاء مفضلين من قبل بعض الحكومات أو المانحين، بخاصة فى البيئات التى تقيد فيها حرية التنظيم والتعبير. ففى مثل هذه السياقات، قد يؤدى هذا الأنموذج إلى تآكل التعددية وإضعاف الرقابة المجتمعية على السياسات التنموية.

كما أن مراجعة تنفيذ التفويضات، التى تهدف إلى إلغاء أو دمج التفويضات «الزائدة» أو «ضعيفة الأداء»، تثير مخاوف من أن يتم تقليص أو إلغاء بعض التفويضات المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والفضاء المدنى، وهى ملفات غالبا ما تكون حساسة سياسيا. لذا أكدت رسالة الاحتجاج المشتركة أن مثل هذا «الترشيد»، إذا تم من دون مناقشات عميقة ومشاورات شاملة، قد يقوض «جوهر الأمم المتحدة المعيارى»، ويحد من «قدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفا».

الأخطر من ذلك أن بعض المقترحات دعت إلى اعتماد آليات تمويل موحدة ومركزية تدار من خلال صناديق مشتركة على مستوى الدولة أو الإقليم، بدلا من تخصيص مباشر للجهات المحلية. وعلى الرغم من أن هذا الأنموذج قد يسهل عمليات الرقابة المالية، فإنه قد يهدد استقلالية المجتمع المدنى ويضعف من قدرته على الابتكار والاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية. وفى هذا السياق، تؤكد نتائج بعض الدراسات الصادرة عن مركز التنمية العالمية أن الاعتماد على فكرة التمويل المركزى قد يقلل من مرونة التدخلات بنسبة تصل إلى حوالى 40% مقارنة بالتمويل المباشر للمجتمع المدنى المحلى، بخاصة فى حالات الطوارئ أو النزاعات داخل المجتمعات المحلية.

أزمة ثقة متراكمة

ويبدو أن هذا التوتر يعكس أزمة ثقة أوسع فى المؤسسات متعددة الأطراف، تفاقمت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضى». فوفقا لمؤشرات إيدلمان للثقة لعام 2024، عبر 42% من المشاركين عالميا فقط عن ثقتهم فى المنظمات الدولية، مقارنة بـ 55% فى العام 2020، و65% فى العام 2015، ما يشير إلى تراجع تدريجى كبير فى مقدار الثقة العامة. وتتطابق هذه النتائج تقريبا مع ما أظهره استطلاعٌ لمنظمة التعاون والتنمية فى العام نفسه حول محددات الثقة، أشار إلى أن أقل من 40% من المواطنين فى 30 دولة من دول المنظمة يثقون فى قدرة المؤسسات الدولية على معالجة القضايا العالمية مثل تغير المناخ وعدم المساواة، وهو انخفاض واضح مقارنة بنتائج العام 2021.

إن الأمم المتحدة تواجه اليوم أزمة شرعية غير مسبوقة، مدفوعة بتراجع التمويل، وتضاؤل حجم التأثير، وتزايد حدة الاستقطاب السياسى بين الدول الأعضاء. ويبدو أن هذه المخاوف دفعت أغلب الدول الأعضاء إلى التعهد الصريح خلال قمة المستقبل التى عقدت فى سبتمبر 2024 بضرورة العمل من أجل إعادة بناء الثقة فى المنظومة الأممية، إلا أن تنفيذ هذا التعهد لا يزال محدودا للغاية حتى الآن.

هذه المؤشرات تظهر أن مبادرة الأمم المتحدة 80، على الرغم من طموحها الكبير، قد تواجه المصير المأزوم نفسه لوثيقة «ميثاق المستقبل» الأممية السابق ذكرها. فالمبادرة الجديدة ما زالت تتحرك وتعمل فى بيئة مشحونة بالشكوك، ينظر فيها إلى الإصلاحات الكبرى بعين الريبة، بخاصة إذا لم تكن تشاركية وشاملة. والحقيقة أن تجاهل هذه الأزمة المتراكمة فى الثقة قد يؤدى إلى نتائج عكسية، ويقوض شرعية المبادرة بدلا من تعزيزها.

مستقبل المساعدات الدولية

من ناحية أخرى، تأتى مقترحات هذه المبادرة الجديدة فى وقت يشهد فيه نظام المساعدات الدولية العديد من التحولات الجذرية؛ فالأنموذج التقليدى القائم على علاقة المانح والمتلقى، بات موضع تساؤل فى ظل صعود التعاون بين دول الجنوب، والتمويل الرقمى، والدعوات إلى إنهاء هياكل السلطة الاستعمارية القديمة داخل قطاع المساعدات. فعلى سبيل المثال، وبحسب بيانات البنك الدولى، بلغ إجمالى المساعدات الإنمائية الرسمية 259.48 مليار دولار فى العام 2023، مقارنة بـ 151.71 مليار دولار فى العام 2013، فى حين كان نصيب الفرد منها 32 دولارا فى العام 2023، بزيادة تدريجية بسيطة وقدرها 11 دولارا فقط على مدار عقد كامل.

هذا التفاوت الملحوظ أدى إلى تصاعد دعوات المجتمع المدنى لحدوث «ثورة محلية» فى نظام المساعدات الدولية، وهى الدعوات التى تم تضمين بعض مقترحاتها بالفعل فى نسخ اتفاق «الصفقة الكبرى» الثلاث، التى أقرها كبار المانحين والوكالات الإنسانية بين عامى 2016 و2023، وتعهدت بتخصيص 25 فى المائة من التمويل العالمى للعمل الإنسانى بصورة مباشرة للجهات المحلية المستجيبة، فضلا عن تقليص حجم الإجراءات البيروقراطية، وتشجيع إقامة المزيد من الشراكات المتساوية، وتحسين القدرات المؤسسية طويلة الأجل للجهات المحلية الفاعلة. ومع ذلك، تؤكد تقديرات منظمة «مبادرات التنمية» أن تنفيذ تلك الأهداف ما زال بطيئا للغاية، مشيرة إلى العديد من المخاطر المتصورة ونقص القدرات كعوائق رئيسة أمام الوصول إلى المستوى الموعود.

يمكن لمبادرة الأمم المتحدة 80 أن تكون محفزا لهذا التغيير، إذا ما اعتبر المجتمع المدنى شريكا استراتيجيا. لكن ذلك يتطلب ليس العمل من أجل زيادة نسبة التمويل المباشر للجهات المحلية الفاعلة فقط، بل أيضا إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية تمكن تلك الجهات من المشاركة فى وضع الأجندات، والرصد، والتقييم. ولهذا، يجب العمل على استحداث آليات أكثر شفافية ومساءلة، تضمن عدم تسييس المساعدات أو ضياعها فى متاهات البيروقراطية الأممية.

ختاما، قد تمثل هذه المبادرة فرصة تاريخية لإعادة تخيل عمليات حوكمة جهود التنمية العالمية. لكن يظل نجاحها مرهونا بالقدرة على التوفيق بين الطموح والشمول. ففى عالم يواجه أزمات متعددة، لم تكن الحاجة إلى أنظمة مساعدات مرنة، ومستجيبة، وقائمة على الحقوق أكثر إلحاحا مما هى عليه اليوم، ويجب أن يكون المجتمع المدنى فى قلب هذه الرؤية، لا كمشارك يستشار وينفذ فقط، بل كمشارك رئيس فى صنع القرار. فمع دخول الأمم المتحدة عامها الثمانين، عليها أن تختار بين إصلاح تكنوقراطى من أعلى، أو تحول تشاركى من أسفل قائم على العدالة والمساواة.

إسلام حجازى

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلي:

https://bitly.cx/4KFc6

  

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved