الذكاء الاصطناعى.. رافعة الاستدامة أم عبء عليها؟

قضايا تكنولوجية
قضايا تكنولوجية

آخر تحديث: الأربعاء 24 يونيو 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعى محصورًا بقدرته على رفع الإنتاجية أو تسريع الابتكار، بل أصبح جزءًا أساسيًا من سؤالٍ أوسع: «كيف يمكن المؤسسات أن تتحول رقميًا من دون أن تزيد بصمتها البيئية؟». فمع التوسع السريع فى مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والنماذج الكثيفة الاستهلاك للطاقة، بات واضحًا أن التكنولوجيا قد تكون جزءًا من المشكلة المناخية. لكنها، فى الوقت نفسه، قد تكون من أقوى الأدوات المتاحة لمعالجتها.
تكمن المفارقة فى أن الذكاء الاصطناعى يستهلك طاقة وموارد، لكنه قادر أيضًا على خفض الانبعاثات والإهدار وتحسين استخدام الموارد على نطاق واسع. لذلك، لم يعد السؤال: هل الذكاء الاصطناعى مفيد للاستدامة، بل أصبح: كيف نضمن أن يكون أثره البيئى الصافى إيجابيًا؟
يمكن أن يساهم الذكاء الاصطناعى فى تحقيق أهداف المناخ داخل المؤسسات عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا، تحسين الكفاءة التشغيلية. فمن خلال تحليل البيانات فى الوقت الحقيقى، تستطيع الخوارزميات تحسين استهلاك الطاقة فى المصانع والمبانى، ضبط خطوط الإنتاج، تقليل الأعطال، وخفض الفاقد فى المواد الأولية. وفى القطاعات الصناعية واللوجستية، يمكن الذكاء الاصطناعى تحسين التنبؤ بالطلب، وتخطيط الإنتاج، ومسارات النقل، بما يحدّ من التخزين الزائد، والإنتاج غير الضرورى، والانبعاثات المرتبطة بالحركة والنقل.
ثانيًا، دعم الاقتصاد الدائرى وتقليل النفايات. فالذكاء الاصطناعى قادر على تتبع تدفقات المواد داخل المؤسسة، تحديد مصادر الإهدار، واقتراح بدائل أكثر كفاءة فى التصميم والتعبئة وإعادة الاستخدام. كما تتيح النماذج الرقمية، أو ما يعرف بـ«التوائم الرقمية»، اختبار خيارات إنتاج وتغليف أكثر استدامة قبل تطبيقها فعليًا، بما يقلل تكلفة التجربة والخطأ ويسرّع الانتقال نحو مواد أقل أثرًا على البيئة.
ثالثًا، تحسين قياس الأداء البيئى. فالكثير من المؤسسات تعلن أهدافًا طموحة لخفض الانبعاثات، لكنها تواجه صعوبة فى تحويل هذه الالتزامات إلى قرارات تشغيلية قابلة للقياس. هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعى فى دمج بيانات الاستدامة المتناثرة، من الطاقة والمشتريات وسلاسل الإمداد إلى النقل والنفايات، وتحويلها إلى مؤشرات عملية تساعد الإدارة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وشفافية.
غير أن تحقيق هذه الإمكانات لا يتم عبر مبادرات معزولة أو تجارب محدودة. فالخطر الحقيقى هو أن تتعامل المؤسسات مع الذكاء الاصطناعى الأخضر كحزمة مشاريع تقنية منفصلة عن الاستراتيجية العامة. التجارب الصغيرة قد تثبت القيمة، لكنها لا تكفى لتغيير نموذج العمل. المطلوب هو الانتقال من «مشاريع ذكاء اصطناعى» إلى «محفظة مؤسسية» تقيس، فى كل مبادرة، الانبعاثات التى تولدها مقارنة بالانبعاثات التى تساعد على تجنبها.
وهذا يتطلب حوكمةً جديدة. فقرارات التكنولوجيا لا ينبغى أن تقاس فقط بالتكلفة والعائد والسرعة، بل أيضًا بأثرها المناخى. كما أن فرق التكنولوجيا والاستدامة لم يعد بإمكانها العمل فى مسارين منفصلين: الأولى معنية بالأداء والابتكار، والأخرى بالتقارير والامتثال. التحدى اليوم هو بناء لغة مشتركة بينهما، بحيث يصبح كل قرار رقمى، من اختيار المورّد إلى تصميم النظام، خاضعًا لمبدأ «الاستدامة منذ التصميم».
فى هذا السياق، يتغير دور قادة التكنولوجيا داخل المؤسسات. فلم يعد مديرو المعلومات والتكنولوجيا مسئولين عن الأنظمة والموثوقية والأمن السيبرانى فحسب، بل باتوا شركاء فى قيادة التحول المناخى، لأنهم يتحكمون بالبنية الرقمية التى تمر عبرها البيانات والقرارات وسلاسل القيمة. وكلما زادت قدرة المؤسسة على قياس الأثر البيئى لتكنولوجياتها، زادت قدرتها على توجيه الذكاء الاصطناعى نحو نتائج أكثر استدامة.
بالنسبة إلى منطقتنا العربية، تحمل هذه المقاربة أهميةً خاصة. فالمؤسسات تواجه فى الوقت نفسه تحديات الطاقة، المياه، الغذاء، النفايات، وكفاءة الموارد. ويمكن الذكاء الاصطناعى أن يكون أداة عملية لتحسين إدارة هذه الملفات، شرط ألا يُنظر إليه كترف تكنولوجى، بل كوسيلة لرفع القدرة التنافسية، خفض التكلفة، وتحقيق التزامات الاستدامة.
الخلاصة أن الذكاء الاصطناعى ليس حلًا سحريًا للمناخ، وليس بريئًا بيئيًا بطبيعته. قيمته الحقيقية تتوقف على طريقة تصميمه وحوكمته واستخدامه. فإذا أُدير بوعى، فيمكن أن يتحول من مصدرٍ إضافى للضغط على الطاقة إلى رافعة هيكلية تجعل الاستدامة جزءًا من كل قرار تكنولوجى وتشغيلى داخل المؤسسة.

نجوى ازهار
جريدة النهار العربى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved