لحظة التآزر والتكافل الشعبى العربى

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 24 يونيو 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

كما توقع البعض، فما أن بدأت اجتماعات الوفود الأمريكية مع الوفود الإيرانية فى جنيف حتى تصاعدت حُمّى الإشاعات عن جهود أمريكية ــ صهيونية مشتركة فى الداخل الإيرانى من أجل دعم هذه الشخصية الإيرانية أو تلك لاحتلال منصب سياسى قيادى فى الحكم الإيرانى المستقبلى أو من أجل قتل تلك الشخصية الإيرانية أو تلك المقاومة للمشروع الأمريكى ــ الصهيونى.
ومن الواضح أن ذلك الموضوع سيبقى معنا ــ بأشكال وحيل متنوعة، عبر المستقبل المنظور. ومثلما فعل الاستعمار الإنجليزى سابقًا عندما خرج من باب الخليج العربى ليعود فيدخل من شبّاكه، فسيفعل الأمر نفسه، وبصور أكثر لؤمًا وتآمرًا، الاستعمار المركّب الأمريكى ــ الأوروبى ــ الصهيونى.
لكن ما يهمنا نحن العرب الآن، كموضوع مستعجل، هو إعادة بناء ما هُدّم فى السنين الأخيرة فى العديد من مناطق الوطن العربى، وبالذات غزة والضفّة الغربية الفلسطينية والجنوب اللبنانى والسودان واليمن وسوريا. فعملية إعادة البناء لن يقوم بها من أحدث الدّمار فى الدرجة الأولى. وأمريكا، كالعادة، بدأت توزع المسئوليات على غيرها لتغسل يدها، هى ورفيق دربها الكيان الصهيونى، من أى قذارة ومن أى دمار للأبرياء، وستتجه الأنظار إلى الأقطار البترولية الغنية العربية لتقوم ببناء ما دمره الآخرون كما جرت العادة فى منطقة الشرق الأوسط العربى الإسلامى المنكوب.
ما يهمنا أمره هو ما تستطيع قوى المجتمعات المدنية العربية من أفراد ومؤسسات القيام به لتثبت أمرين: مدى الالتزام القومى والإسلامى الذى نادت به عبر السنين الطويلة الماضية، ومدى شعور مواطنى المناطق المنكوبة، من مهجرين ومن متحدّى العيش فى الخرائب والعراء بصبر وأريحية وطنية. نحتاج إلى أن لا تمرّ هذه المناسبة الأليمة دون أن يشعر هؤلاء بأن لهم إخوة متضامنون، لا فى الإنسانية فقط، بل وأيضاً فى التكاتف العروبى والإسلامى عندما تشتدّ الأهوال والإحن.
من هنا، هناك ضرورة لمبادرة جهات مدنية شعبية عربية بالتفكير فى المشاركة فى عملية إعادة البناء فى هذه المناطق المنكوبة. وحتى لو كانت الإمكانيات محدودة، لكن مشاركة المجتمعات المدنية، ببناء مدارس أو مراكز صحية على سبيل المثال، سيبقى رمزًا من رموز التكافل والتوحّد العروبى والإسلامى المستقبلى.
ولعل الخطوة الأولى هو التفكير فى تكوين صندوق إغاثة عربى يدار من قبل مجلس أمناء من الأشخاص العرب الراغبين والمتحّمسين. وبإمكانيات ذلك الصندوق المالية والبشرية يستطيع أن يبنى باسم الشعوب العربية مشاريع اجتماعية فى الدرجة الأولى من مثل المدارس والمراكز الصحية ومراكز رعاية الأيتام ومراكز تأهيل المعاقين وعلى أن تدار بالاشتراك مع شتى السلطات المحلية الراغبة فى العمل المشترك.
يستطيع هذا الصندوق الإغاثى أن يساهم بصورة دائمة فى المستقبل فى ترميم أوضاع المناطق العربية المنكوبة، ولا نحتاج إلى تسمية الكثير من الجهود المماثلة التى تمت فى مختلف بلدان العالم بعد نكبات وحروب كبيرة تعرّضت لها، وهى صغيرة، إذا قورنت بالنكبات والحروب التى تعرض لها الوطن العربى مؤخرًا.
وبعد أن يوجد مثل هذا المشروع يمكن الانتقال إلى أن يكون جزءًا من جهد عروبى ــ إسلامى مشترك ليخدم بلاد العرب والإسلام كلها. وبعدها يمكن الانتقال إلى البعد الإنسانى المشترك لهذه القارة التى تجمعنا أو تلك.
ستكون مأساة لو أن المجتمعات المدنية العربية وقفت متفرجة ودون مبالاة أو جهد، بينما عشرات الملايين من إخواننا وأخواتنا يعانون الويلات على يد الهجمة الاستعمارية الغربية ــ الأمريكية ــ الصهيونية على بلاد العرب وبلاد الإسلام وبلاد كل من يحاول أن يتحرّر من عبودية هذه الجهات التى تزرع الظلام والظّلم فى كل زاوية من هذه الأرض.
مفكر عربى من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved