حروب بلا حدود.. وسعر نفط بلا انفجار!

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 24 يوليه 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

تخيل سوقًا لا يحركها البائع والمشترى بل خوارزميات تقرأ تصريحات المسئولين، وتتخذ قرارات الشراء والبيع من تلقاء نفسها. هذا تقريبًا ما يحدث فى سوق البترول العالمية اليوم، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من تداولات العقود الآجلة للنفط تُدار آليًا عبر الذكاء الاصطناعى. والمفارقة أن حجم هذه العقود الورقية يفوق بأضعاف كمية البترول الفعلية المتداولة. فإذا صحّ أن تصريحات متفائلة من مسئول أمريكى عن «استقلال الطاقة» تدخل فى حسابات هذه الخوارزميات وتُبقى السعر منخفضًا على الورق، بينما يدفع المستهلك الفعلى أرقامًا أعلى بكثير، فنحن أمام سوق لا يعكس الواقع بقدر ما يشكّله. وفى الخلفية، هناك الصين التى لا تظهر كثيرًا فى نشرات الأخبار لكنها ربما الأكثر تأثيرًا فى اتجاه الأسعار خلال الأشهر الماضية؛ فقد اختارت الانسحاب من السوق بدلًا من الشراء بأسعار مرتفعة، تاركة بصمة أثقل بكثير من قرارات الحرب نفسها.


هذا كله يقودنا إلى السؤال الذى يستحق أن يُطرح: كيف لم ترتفع الأسعار إلى الحدود الكارثية التى حذّر منها الخبراء، رغم أن الحرب فى إيران أدت إلى إغلاق مضيق هرمز الذى يمر منه نحو 20% من تجارة البترول العالمية؟ توقع محللون فى بداية الحرب أن يصل السعر إلى ما بين 150 و200 دولار للبرميل، ووصل فعلًا إلى قفزة عابرة عند 138 دولارًا فى يوم واحد خلال أبريل، لكنه سرعان ما تراجع، واستقر فى المتوسط عند حدود 120 دولارًا قبل أن ينزل أكثر مع بوادر الهدنة. لماذا لم يحدث الانفجار المتوقع؟ الإجابة تكشف طبقات متعددة من التفاعلات، وتستحق أن نفككها واحدة تلو الأخرى.


• •
البداية من مفارقة أمريكية بسيطة: تُردد واشنطن دائمًا أنها "أكبر مصدّر للنفط عالميًا"، وهى عبارة صحيحة ومضللة فى آنٍ واحد. فحين يُحسب البترول الخام وحده، تبقى أمريكا مستوردًا صافيًا؛ إذ استوردت فى عام 2025 نحو 7.9 مليون برميل يوميًا وصدّرت أقل من 4 ملايين. أما حين تُضاف المشتقات المكررة كالبنزين والديزل، فتنعكس الكفة لصالح التصدير. والسبب تقنى بحت، فالبترول الأمريكى خفيف، بينما بُنى الكثير من مصافيها قديمًا لمعالجة البترول الثقيل القادم من الخليج وكندا، فتُصدّر فائض الخفيف وتستورد ما تحتاجه من الثقيل.


هذا التذبذب فى تعريف «من يصدّر ومن يستورد» ليس نقاشًا أكاديميًا بعيدًا عن الميزانية المصرية، بل هو رقم يؤثر فى الموازنة مباشرة، حيث بنت الحكومة موازنة العام المالى 2026/2027 على افتراض سعر نفط عند 75 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز خام برنت بالفعل 119 دولارًا فى مارس، ولامس ذروةً عند 138 دولارًا فى أبريل. كل دولار فوق الـ75 يعنى إما مزيدًا من الإنفاق على دعم الوقود، وبالتالى اتساعًا فى عجز الموازنة الذى تستهدف الحكومة خفضه إلى نحو 4.9% من الناتج المحلى، أو رفعًا أسرع للأسعار المحلية لتفادى ذلك العجز، وهو ما حدث فعلًا حين رفعت الحكومة أسعار الوقود فى مارس الماضى.


وحساب مصر فى هذه الأزمة لا يقف عند دعم الوقود وحده، بل يمتد إلى مصدر آخر للعملة الصعبة أقرب إلى قناة السويس من أى مكان آخر. ففى الأسبوع الماضى، أعلنت جماعة الحوثى حصارًا بحريًا كاملًا على السعودية، مستهدفةً بذلك المنفذ الذى كانت الرياض تعتمد عليه للالتفاف على إغلاق مضيق هرمز، وهو ضخ البترول عبر خط أنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ثم تصديره عبر مضيق باب المندب. وبعد التهديد الحوثى تحول مسار بعض السفن، مضيفًا ما يصل إلى 30 يومًا لزمن الرحلة. وبالفعل، تراجعت شحنات البترول السعودى عبر باب المندب بنسبة 36% خلال أسبوعين فقط، من ذروة بلغت 9.5 مليون برميل يوميًا إلى 6.1 مليون. ولكن الخشية الأكبر تبقى من استهداف الحوثيين لميناء ينبع نفسه، مما قد يعطل صادرات الطاقة السعودية بالكامل. هذا السيناريو ليس جديدًا على مصر؛ فحين خفضت هجمات الحوثيين سابقًا حركة الملاحة فى البحر الأحمر بين عامى 2023 و2024، تراجعت إيرادات قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار فى عام واحد.


وبينما تنشغل كل دولة بحساباتها، كانت واشنطن تدفع ثمنًا من نوع آخر لتهدئة الأسواق، فضخت من احتياطيها الاستراتيجى حتى تراجع إلى أدنى مستوى له منذ عام 1983، أى إلى أقل من 320 مليون برميل من أصل سعة تخزينية تناهز 714 مليون برميل. والصورة العالمية ليست أفضل حالًا؛ فالإطلاق الدولى المنسق من احتياطيات وكالة الطاقة الدولية، رغم ضخامته وتجاوزه 400 مليون برميل، لم يغطِّ سوى عشرين يومًا تقريبًا من العجز الذى سببه إغلاق مضيق هرمز. ومن ثم فإن الهامش الذى كان يشكّل وسادة أمان للعالم أصبح أرقّ بكثير مما كان عليه قبل الحرب.


فمن أين إذن جاء الكبح الحقيقى للأسعار حتى الآن؟ هنا تعود الصين إلى الواجهة. أكبر مستورد للنفط فى العالم دخل الحرب وهو يجلس على مخزون ضخم يُقدَّر بـ1.4 مليار برميل، بناه حين كانت الأسعار منخفضة بين 60 و70 دولارًا. ومع اندلاع الحرب وارتفاع الأسعار فوق 100 دولار، اختارت بكين عدم زيادة مخزونها بدلًا من الشراء بسعر مرتفع، فتراجعت وارداتها إلى أدنى مستوى لها منذ 8 سنوات، بما يعادل نحو 4 ملايين برميل يوميًا من الطلب العالمى فى توقيت بالغ الحساسية. وبذلك فإن الصين لا تحدد سعر البترول عالميًا، لكنها ساعدت على تهدئة الأسواق، وإذا عادت للشراء فإن ذلك سيرفع السعر ويزيد من التضخم العالمى.


• • •
هنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل هذه الفوضى، من حرب إيران إلى حرب أوكرانيا واستهداف مصافى روسيا وحتى تفجير خط «نورد ستريم»، جزء من مخطط لتثبيت الولايات المتحدة كمصدر رئيسى للطاقة قادر على الإنتاج بينما كل مصدّرى الطاقة الآخرين فى أزمات؟ المؤكد أن أمريكا تتبنى علنًا سياسة تحمل اسم «الهيمنة الطاقوية» كهدف معلن لا كافتراض يحتاج إلى إثبات. لكننى أشك فى أن كل ما نراه يجرى حولنا هو مخطط، بل الأغلب أنها فوضى تُحسن الولايات المتحدة إدارتها، ولو إلى حين.


والمؤكد أن لا أحد بمنأى عن العواقب، لا مصر التى تراقب كل دولار فى ميزانيتها وكل سفينة تعبر قناتها، ولا أمريكا التى تستنزف احتياطاتها إلى مستويات لم تشهدها منذ الثمانينيات، ولا حتى الصين التى ستضطر يومًا إلى العودة إلى الشراء بأسعار أعلى. يبقى السؤال معلقًا: هل فعلًا استراتيجية الولايات المتحدة قائمة على إضعاف كل منتِجى الطاقة الآخرين لكى تنفرد هى، لا سيما بعد سيطرتها المتزايدة على نفط فنزويلا، وتكرار ترامب المطالبة العلنية بضم كندا كـ«الولاية 51» أكثر من مرة خلال العام الماضى، وهو ما رفضته أوتاوا رفضًا قاطعًا؟ الإجابة لن تُحسم قريبًا، لكن من يملك مفاتيح الطاقة فى السنوات المقبلة سيملك على الأرجح مفاتيح المستقبل.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved