أغَدًا أَلْقَاكِ؟
رباب نبهان
آخر تحديث:
الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:25 م
بتوقيت القاهرة
هل أنتِ خائفة؟
يتردد هذا السؤال كثيرًا على مسامعى، بشكل شبه يومى، وأنا لا أهوى الأسئلة، ولا أهوى الرد عليها، أيًّا كانت بساطتها أو الغرض من ورائها. فى جميع الأحوال، ينتقل عندى السائل من خانة متطفل إلى خانة محقق كانت لديه طموحات بأن يصبح وكيل نيابة، ولم يحالفه الحظ، فأراد أن يحقق ذلك على يدى. ولا أدرى ما الفائدة التى ستعود على صاحب السؤال إن أجبته، صدقًا كان أم كذبًا. هل سترضى وتصبح أكثر سعادة حين تضعنى أمام نفسى؟ لا، والله، لن أمنحك الفرصة، ولن أمنحها لنفسى.
• • •
لا، لست خائفة، بل عندى شغف وفضول، وأشعر أن تلك هى الأوقات التى تستحق أن نحيا من أجلها؛ فكل يوم يصبح يومًا عاديًا حين يمر بلا تجارب، بلا معارك، وربما بلا معاناة وألم. الأوقات العادية تشبه المرأة العادية؛ لا شىء فيها يدعو للنظر أو التوقف أو الحديث عنها. ومن منا لا يتمنى أن يصبح شخصًا استثنائيًا؟
• • •
لا أدّعى المغامرة ولا الشجاعة المفرطة، فأنا هى نفس الأنا التى تخاف ذرة التراب، وتراها من بعيد حشرة غامضة تنوى الانقضاض عليها فى أى لحظة، وأنا هى نفس الأنا التى لديها قائمة شبه متكاملة من أعراض الفوبيا بكل أنواعها، لكنها هى أيضًا أنا التى تعلمت أن العمر يُعَدّ ويُقاس بما نمر به من عثرات ومحن.
غدًا تتفتح لى الأبواب.
ودون عناء منى، يُفتح لى الباب تلو الآخر، ويتسابق الجميع، من قبلى وبعضهم من خلفى، لتأمين موكبى. وحين يقتربون من آخر باب موصد بعناية، يتراجع الجميع، ولا يسمح لأحد بالدخول... إلا أنا.
• • •
هنا بدأت لحظات الجد، وأرى الهزل وادعاء القوة فى أفول. أنا الآن مجرد جسد ملقى على منضدة صُنعت حتمًا من ألواح ثلجية. أستشعر البرد، وأعلم أن الخوف هو مصدره. أكثر ما أهابه وأكرهه أن تُسلب مفاتيحى ويعبث بها غيرى، ولكن ما بيدى ولا بعقلى حيلة.
ألن يسألنى أحد: هل أنا خائفة؟
هم الآن على مقربة من جسدٍ هم به منشغلون، وينظرون إلى بعضهم فى ريبة، كما لو كانوا يقسمون غنائمهم. ألا تُوَزَّع الغنائم فى المعتاد بعد المعركة؟ على أية حال، أراهم يرضون بما اقتسموا.
• • •
وقد وقع نصيب أحدهم فى يدى، فلم يرحمها، وابتسم لى، ثم أخذ يحقنها. والآخر يبتسم أيضًا وهو يضع أنبوبًا فى فمى، وزميلهم جاء من خلفهم يحمل نفس الابتسامة المخادعة، ويدّعى أنه يعرفنى، ويسألنى عن حالى، فلا أجيبه. ألا يرى حالى جليًّا فى لون وجهى؟
• • •
جئت كرهًا أو طواعية، لا فرق بينهما. مُرغمة أنا حتمًا، ولكن شيئًا ما فى نفسى يشتاق لهذا اللقاء. كلها ثوانٍ معدودة، بعد أن يلعب التخدير دوره، وينسحب الوعى من جسدى، وأقابلها هناك، أسفل درجات الوعى.
يخبروننا فى الأساطير أننا لن نقابل أو نرى ما نحب إلا إذا مررنا بأهوال وأسحار وفتن، وأنا لا أمانع فى أن تنزلق قدمى إلى الأسفل، وتسحبنى هى إلى عالمها حتى ألقاها، ونتواصل ونحكى، قبل أن يسترد الجسد وعيه.
• • •
اشتاقت إليكِ.
واشتاقت إلى الأوقات التى كنا نحيا فيها سويًا، وتتماثل أفعالنا، فلا أشعر بأى غضاضة أو تناقض تجاه ما أفعل، وما أشعر، وما يراه الناس أيضًا. تصوّرى أن فى تلك الأوقات كانت المرآة تعكس صورة واحدة لكل منا. هل تعلمين أن المرآة أصبحت الآن تكذب؟ كلما نظرت إليها رأيت امرأة فى منتصف العمر لا تشبهنى ولا تشبهكِ.
• • •
لا وقت كثيرًا لدينا. لم أقطع كل هذا الطريق الوعر لأحكى لكِ عن ملامح لم تعد تشبهنى؛ لقد حملنى إليكِ ما هو أهم وأغلى. لا أعلم كم من السنوات بقيت لى، ولكن حتى لو لم يتبقَّ فى عمرى سوى يوم واحد، فكل ما أتمناه أن أعيشه كما كنتُ أنا. أريد أن أسترد تلك النفس التى وُلدت معى، تلك التى وهبنى الخالق إياها؛ تلك هى نفسى التى أعرفها، والتى أرضى عنها، والتى بها أعترف وأفتخر.
• • •
كل ما أرجوه أن تعودى معى، ولا تخشى الطريق، فأنا أعرفه جيدًا. كل ما عليكِ أن تشدى على معصمى الأيسر بقوة (إنهم يضعون الكانيولا فى يدى اليمنى)، ولا تخافى علىَّ من الألم، فكلانا سيكون على موعد معه بعد قليل. أعتذر إليكِ وأستشعر الحرج، فأول ما تطأ قدماكِ عالمى تجدين الألم، ولكن لا داعى للقلق، فلدىَّ من المهارات والحيل ما يُمكّننا من تجاوزه، وسوف أعلمكِ إياها جميعًا. سوف أعلمكِ كيف تشدين على نفسك حين تضيق، وكيف تمضين فى طريقك حين يتخلى عنكِ حبيب أو رفيق، وكيف تدّعين القوة، وكيف تبتسم شفاهك ويتعجب لها قلبك، وكيف تتجملين، وكيف تكذبين، وكيف..
أسمع اسمى يُنادَى..
أراهم ينهون عملهم، ويردّون كل شىء إلى موضعه، ويتفقدون العُدّة والأعداد حتى يتأكدوا أن لا شىء قد نُسى أو فُقد سهوًا فى جوف الجسد، ويحيكون ما قد شقوه، يحاولون أن تبدو الأمور طبيعية، ولا شىء أبدا يعود كما ذهب.
حمدًا لله على السلامة..
قالتها لى الممرضة وهى ترسم ابتسامةً زملائها.
فتحت عينىَّ ونظرت حولى، فعلمت أنها غرفة العمليات.
ولكن.. حين نظرت إلى معصمى الأيسر، وجدت لونه أحمر، وعليه آثار أطراف أصابع كانت تشد عليه بقوة.. فابتسمت.