أوهام الصبر الاستراتيجى
مصطفى الفقي
آخر تحديث:
الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:23 م
بتوقيت القاهرة
شاعت فى الفترة الأخيرة تعبيرات وافدة على معطيات الصراع المسلح أحيانًا وحول موائد التفاوض أحيانًا أخرى، ومن تلك التعبيرات الشائعة تعبير «بنك المطالب» للدلالة على ما فى جعبة المفاوض من طرف ما للوصول إلى نقطة التسوية أو الاقتراب منها على الأقل، كذلك أضحت كلمة (السردية) مرادفًا عند الإشارة إلى مسار الأحداث التى تستجد بينما قفز تعبير (الصبر الاستراتيجى) ليحتل موقع الصدارة فى الأيام الأخيرة، وفى ظنى أنه كان مرتبطًا بالأيديولوجيات الإيرانية التى صكت تعبيرات جديدة مثل وحدة الساحات للتعبير عن المقاومة ضد المخططات الخارجية.
ولقد برع جيراننا الإيرانيون فى استخدام تعبير الصبر الاستراتيجى للدلالة على إمكانية توظيف عامل الزمن وعنصر الوقت فى تحويل الأمور لصالحهم بغض النظر عن الهزائم العسكرية أو الخسائر المادية، فالإيرانى الذى قد يعكف لأكثر من عام كامل لإتمام صنع سجادة يدوية فاخرة لا بد أن يستهين بعنصر الوقت وأن يتعامل مع الزمن بدهاء وحنكة، ولذلك فإن المفاوض الإيرانى هو نمط خاص بمفاتيح مختلفة يختار منها ما يراه متوافقًا مع ظروفه وخصوصية تفكيره.
ولعلى أجازف هنا فأقول إن العقل الإيرانى حاليًا يختلف عن نظرائه من أصحاب الثقافات الأخرى أو أبناء الحضارات الباقية، ولا شك أنه يشعر بنوع من العزلة وانعدام القدرة على التواصل بلغة مشتركة مع الآخرين بل هو ينظر بمنظار خاص إلى الأغيار مع فقدان الثقة فى من حوله، فالأيديولوجية الصماء تخطف العقول وتعمى الأبصار وذلك هو شأن إيران حاليًا التى تضرب بلا وعى فى اتجاهات متباينة وأصعدة مختلفة.
فالهجوم الإيرانى المتكرر على دول الجوار العربى فى منطقة الخليج هو انعكاسٌ مباشر لحالة السيولة السياسية على الساحة الإيرانية وانعدام التماسك وشيوع التضارب بين تشدد الحرس الثورى وقوة الإصلاح والاعتدال على الجانب الآخر حتى أصبح من المتعين علينا ضرورة القيام بتحليل فى إطار سيكولوجية السياسة للتعرف على كل خبر يصدر من طهران أو عنها؛ حيث إن المصدر يحدد تاريخه الذى يسلكه فى المستقبل.
ولقد استمعت إلى الرئيس الإيرانى الأسبق محمد خاتمى وهو يطرح أفكارًا وآراء إصلاحية معتدلة ويحذر شعبه من التورط فى أفكار والانخراط فى أيديولوجيات قد لا تكون فى صالحه فالساحة الإيرانية تجمع كل ألوان الطيف السياسى بدءًا من المرونة الليبرالية وصولًا إلى التشدد العقائدى والتزمت السياسى، ولعلنا نطرح هنا بعض المعايير المرتبطة بطبيعة القرار المحتمل فى إيران على المدى القصير والمدى الطويل أيضًا:
أولاً: إننى أطالب كل المهتمين بالواقع الإيرانى المعاصر أن يذهبوا قليلًا إلى التاريخ الحديث للدولة الفارسية الكبرى وطموحاتها التاريخية وحساسية العلاقات مع الجوار العربى بدءًا من الأهواز وشط العرب إلى نقاط التماس مع الأكراد والقوميات الأخرى المتداخلة مع الكيان الفارسى الذى يمثل عنصرًا هامًا فى تكوين تلك الدولة المركبة، وسوف نكتشف أن أطماع إيران تاريخيًا قبل الشاه إسماعيل الصفوى وبعده هى أحلام متجذرة منذ أن سعى الإسكندر الأكبر إلى غزو بلاد فارس انطلاقًا من قاعدة إغريقية فى مصر على شاطئ المتوسط وظل الأمر كذلك حتى قيام الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979، ولقد شاهدت منذ سنوات حديثًا متلفزًا لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوى يتحدث فيه بفخر واستعلاء عن دور إيران فى الشرق الأوسط وغرب آسيا باعتبارها شرطى المنطقة وهنا يجب أن نعترف أن الثورة الإسلامية فى إيران كانت انقلابًا ضخمًا على استقرار ذلك الإقليم المتعدد الأعراق والضارب بجذوره فى التاريخ البعيد.
ثانيًا: نلاحظ منذ العصر العباسى الأول والثانى تزايد الحساسية بين العرب والفرس أو بين الموالى من العجم ونقاء الجنس العربى القادم من الجزيرة العربية والمصاحب للفتوحات الإسلامية الأولى وكيف تزايد نفوذ العنصر غير العربى للدولة الإسلامية حينذاك وكانت نكبة البرامكة فى عصر هارون الرشيد مثالًا على ذلك، ونحن بالمناسبة لا ننكر الدور غير العربى الأصل فى ازدهار الدولة العربية مع العصر العباسى ولا ننكر دور الآخرين فى تشييد تلك الحضارة الكبرى التى وصلت أصداؤها إلى غرب إفريقيا وأواسط أوروبا واتجهت جنوبًا إلى مصر العليا وسواحل اليمن وعمان، لذلك فإن الكيان الإيرانى تطفو على ذاكرته بين حين وآخر تلك التصورات الهائلة لدوره التاريخى فى العصور الماضية، وهنا تبدو ملاحظة هامة جديرة بالتسجيل وهى أن التشيع الفارسى لاحق على التشيع العربى الأصيل بعدة قرون تفصل ما بين واقعة التحكيم فى القرن الأول الهجرى وصولًا إلى عصر الدولة الصفوية والعرب الشيعة (عرب أقحاح) ولا شك فى عروبتهم تحت مظلة الإسلام الحنيف الذى لا يفرق بين مسلم شيعى وبين مسلم سنى، ولقد جاء فى الأثر الشريف قول منسوب إلى رسول الإسلام يقول فيه «لا فضل لحر قرشى على عبد حبشى إلا بالتقوى» ولذلك فإن القراءة الإيرانية لتعاليم الإسلام لا تختلف فى جوهرها عن نظيرتها لدى أهل السنة والجماعة إلا فى التفاصيل التاريخية وتوزيع الأدوار بين الصحابة خصوصًا فى مطلع الدولة عند فجر الإسلام.
ثالثًا: يعيش الإيرانيون انطلاقًا من منظور تاريخى يعتز بشكل مبالغ فيه بالهوية الإيرانية التى هى مزيجٌ من أحلام الحضارة الفارسية مختلطة بروح الإسلام الحنيف من منظور شيعى يحاول أن يكون مستقلًا عن بحر السنة والجماعة من حوله، فالإله واحد والقرآن واحد وأركان الإسلام واحدة وقبلة المسلمين مشتركة بين الجميع إلا أن الإلحاح على الخصوصية الإيرانية يحاول أحيانًا التركيز على التفرقة المذهبية تحت مظلة الإسلام الواحد الذى لا يقبل التقسيم ويرفض التفرقة بين مقاصد الشريعة فى كل نواحى الحياة، ويذهب غلاة الأشعرية من أهل السنة والجماعة إلى انتقاد بعض أتباع المذهب الشيعى الذين يسبون صحابة رسول الله خصوصًا أبو بكر وعمر ــ رضى الله عنهما وأرضاهما ــ من منظور ضيق ما زال يعيش فى ظلال واقعة التحكيم وذلك رغم أن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه يحظى باحترام شديد لدى أهل السنة ويرون أنه فيلسوف الإسلام الأول وداعم ابن عمه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
رابعًا: شاءت الأقدار أن تتمتع المنطقة العربية الإسلامية بمخزون ضخم من الثروات المادية والبشرية فضلًا عن الزخم الروحى المصاحب للديانات السماوية بما يجعل لشعوب المنطقة خصوصية بارزة تميزهم عن غيرهم يضاف إلى ذلك عناصر التكوين الآسيوى للشعب الإيرانى بقومياته المتعددة من دول الجوار المختلفة، فالعامل الإيرانى الماهر ــ كما ذكرنا من قبل ــ قد يمضى سنوات فى صناعة سجادة يدوية بصبر يعلمه العلاقة الهادئة مع عامل الوقت وعنصر الزمن والإيرانى يختلف عن سواه فى قدرته على الانتظار واستيعاب العوامل الجديدة فى المشهد العام، ولعل ذلك يفسر إلى حد كبير ذلك الاضطراب فى المشهد العام للحال الساخن حاليًا بين واشنطن وطهران وانعدام القدرة الأمريكية على فهم العقلية الإيرانية بالإضافة إلى العامل الإيرانى على الجانب الآخر الذى لا يدرك من خلاله الإيرانيون دوافع واشنطن والدور الإسرائيلى وراءها الذى يرى إيران خطرًا ضخمًا عليه فى المستقبل ويعتبر أن حيازتها للسلاح النووى لن يكون نهاية إسرائيل وحدها بل هو طريقٌ إلى حالة انفلات وفوضى فى المنطقة بأسرها.
خامسًا: إن العرب خصوصًا فى منطقة الخليج يدفعون فاتورة باهظة لا يتحملون أسبابها وحدهم بل هى شراكةٌ تاريخية بين كل الأطراف، فالأطماع فى ثروات المنطقة المادية والاستراتيجية تدفع الأطراف الوافدة إلى التدخل فى شأن تلك الدول العربية الساعية إلى السلام والراغبة فيه والتى ترى أنه لا بد من نهاية لمسرحية (قميص عثمان) التى يرتديها كل من يزعم الدفاع عن القضية الفلسطينية وفى مقدمتهم إيران.
إن الصبر الاستراتيجى تعبيرٌ مطلق قد يريح الأعصاب حينًا لكنه قد لا يحل الأزمات دائمًا.
نقلا عن إندبندنت عربية