ما العمل مع سرعة التكنولوجيا وبطء التشريع؟!

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 24 سبتمبر 2026 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

بعد وصوله الثانى للبيت الأبيض فى يناير 2025، ألغى دونالد ترامب الأمر التنفيذى للرئيس السابق جو بايدن بشأن الذكاء الاصطناعى، ثم أصدر فى 11 ديسمبر أمرًا تنفيذيًا بإنشاء فريق عمل لوزارة العدل للطعن فى قوانين الذكاء الاصطناعى التى تُقرها الولايات وتحد من أنشطة شركات التكنولوجيا، وربط كذلك التمويل الفيدرالى بما تفرضه الولايات من قيود على تطوير الذكاء الاصطناعى.
فى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل أيام، جدد ترامب التأكيد على موقفه الرافض لفرض أى قيود، أو إبطاء، على تطوير الذكاء الاصطناعى، وقال إن إدارته «ترفض تمامًا أى محاولة للتحكم فى الذكاء الاصطناعى، عليكم تذكر أن من يفوز فى سباق الذكاء الاصطناعى يربح كل شىء. نحن الآن متقدمون بفارق كبير على الصين، وعلى الجميع. وسنحافظ على ذلك».
فى الوقت ذاته، تضمنت قائمة المدعوين لحفل العشاء الرسمى الذى أقامه ترامب على شرف ضيفه الرئيس الصينى شى جين بينج، الرؤساء التنفيذيين لكبريات شركات التكنولوجيا المنشغلة بتطوير هذه التكنولوجيات، مثل OpenAI، Amazon، Nvidia، Alphabet، Apple، وTesla.
ورغم التطور السريع فى تكنولوجيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى تغيب التشريعات المنظمة لهذه التطبيقات، سواء فى الولايات المتحدة أو خارجها. وتخلق هذه المفارقة أزمة عصية على الحل، ففى الوقت الذى تتطور تطبيقات وأنظمة الذكاء الاصطناعى بمعدلات سريعة كل ساعة وكل يوم، لم يتحرك الكونجرس، الذى تقاس فترة تبنى تشريعاته بالأشهر والسنوات، بصورة جدية لوضع التشريعات اللازمة لهذه التكنولوجيا التى أصبحت تمس أمن وخصوصية ملايين البشر، بل وتمس كل جزئيات الحياة اليومية كما نعرفها الآن.
• • •
قبل أسبوعين، اتخذت حياة المهندس «جاكوب كوكسن» منعطفًا دراماتيكيًا عندما أعلن استقالته أمس من شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعى، ومن قبلها شركة أوبن أيه آى، وقراره بمغادرة قطاع الذكاء الاصطناعى بالكامل. ورافق رحيل كوكسن إصداره تحذيرات قوية ذهب فيها إلى حد التحذير من أن وتيرة التطوير الحالية قد ينتج عنها إفناء البشرية ذاتها. وجادل كذلك بأن المختبرات الرائدة تخوض سباقًا شديد الخطورة نحو الذكاء الفائق الذى يحسن نفسه ذاتيًا، وأعرب عن قلقه من أن الأنظمة المستقبلية قد تكتسب قدرات مثل اكتساب الموارد ذاتيًا والاختراق المتطور أسرع مما يضمن الباحثون السيطرة عليها. ودعا كوكسن لاحقًا إلى اتفاقيات ملزمة بين مختبرات الذكاء الاصطناعى الكبرى، وإذا لزم الأمر، قيود دولية على بعض قدرات الذكاء الاصطناعى، مما جعل استقالته أكثر من كونها قرارًا مهنيًا فرديًا، بل أيضًا كصرخة صادمة وسط النقاش حول سلامة الذكاء الاصطناعى ومخاطره على وجود البشر أنفسهم! وعزز هذا التصريح، ومن قبله حادثة شركة Hugging Face، حيث تعرضت لهجوم سيبرانى غير بشرى من وكيل إلكترونى من أحد تطبيقات الشركة خلال مرحلة تطويره يوم 16 يوليو الماضى، سخونة النقاش الذى تشهده الولايات المتحدة فى وقت يرفض فيه 70% من الناخبين بناء المزيد من مراكز المعلومات الضرورية لتطوير منظومة الذكاء الاصطناعى.
وتشير دراسات متعددة إلى مخاطر وجودية أو أخرى كارثية تهدد بقاء الإنسان، ويخشى آخرون من تأثير هذه التطبيقات على سوق العمل والتوظيف، والعلاقات الاجتماعية، أو خلق اعتماد مفرط على تطبيقات الذكاء الاصطناعى.
• • •
وبعد الالتفات لهذه المخاطر، كان رد واشنطن السياسى متواضعًا فى المضمون، إذ قدم النائبان تيد ليو، الديمقراطى، وناثانيال موران، الجمهورى، قانونًا لضبط تطور الذكاء الاصطناعى يسمح لوزارة الأمن الداخلى بإصدار أمر بإيقاف أى برامج أو تطبيقات خطرة. كما اقترح ستة أعضاء فى مجلس النواب، بشكل منفصل، آليات تدقيق مستقلة للتطبيقات الجديدة لاختبار مخاطرها المتوقعة. وكما هو متوقع، وعندما يتأخر سن القوانين، تملأ كبريات شركات التكنولوجيا هذا الفراغ بكتابة القواعد المنظمة لصناعتها. وتعرف السياسة الأمريكية حالة استقطاب غير مسبوقة بين الديمقراطيين والجمهوريين، أصبح معها من الصعوبة بمكان تمرير تشريعات وقوانين بطرق سهلة وسريعة.
فى الوقت ذاته، تعرف واشنطن مؤخرًا ظواهر جديدة، فلم تعد شركات السلاح أو شركات الطاقة، أو حتى الدول الأجنبية، الأكثر إنفاقًا على شركات اللوبى والعلاقات العامة كما كان الحال خلال العقود الأخيرة. وتقدمت شركات التكنولوجيا فى هذا المضمار وأنفقت حوالى 71 مليون دولار العام الماضى لتبقى الحكومة الفيدرالية والكونجرس بعيدًا عن مجال اهتمام هذه الشركات. وأصبح لهذه الشركات مكاتب ضخمة فى واشنطن تشمل مئات الموظفين بها، ممن تنحصر مهامهم فى التأثير المباشر وغير المباشر على الحكومة الأمريكية، بل وعلى ما يزيد على 150 سفارة أجنبية وعشرات المنظمات والبعثات الدولية. من ناحية أخرى، تضخ تلك الشركات مئات الملايين من الدولارات لمعارضة وهزيمة أعضاء الكونجرس ممن يدفعون بفرض قواعد أكثر صرامة على أنشطة وتطوير الذكاء الاصطناعى. وتعد احتمالات تمرير ونجاح مشاريع ضبط الذكاء الاصطناعى منعدمة للغاية، فمعظم المشرعين من كلا الحزبين رفضوا الإبطاء من تطوير الذكاء الاصطناعى تحت دعوى أن ذلك يسلم القيادة للصين. وغالبًا ما يصور نقاش الذكاء الاصطناعى على أنه يسار اشتراكى مقابل يمين رأسمالى، لكن خطوط الصدع الحقيقية هى السرعة مقابل الحذر. ولأن معظم التشريعات تحتاج إلى 60 صوتًا فى مجلس الشيوخ، فإن أى قانون جاد للذكاء الاصطناعى سيتطلب نوعًا من التنازل الذى يصعب تحقيقه فى مناخ الاستقطاب الحالى. فى الوقت ذاته، تُركت أُطر الأمان الداخلية، وسياسات الاستخدام الشخصى، وحماية الخصوصية، والالتزامات الطوعية للشركات فى يد الشركات التكنولوجية ذاتها.
• • •
ما تعرضه شركات التكنولوجيا لا يخرج عن حلول تحافظ على قيادتها وحريتها وسرعتها، بحيث تمنع الشركات الأخرى من اللحاق بها وجعل احتكارها أقل تنافسية، وبالتأكيد عدم فقدان الصدارة أمام الشركات الصينية. ويدعم ذلك قول ترامب إن مخاطر الذكاء الاصطناعى ما هى إلا خدعة، ويعطى الأولوية للبقاء فى المقدمة متفوقًا على الصين.
فى النهاية، لن تتباطأ التكنولوجيا شئنا أم أبينا، لكن يجب ضبط مسار التطوير واتجاهاته. التكنولوجيا ستتفوق دائمًا على التشريع، لكن علينا ردم هوة الفجوة بينهما لدرجة تصبح مقبولة لأغلبية المستخدمين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved