قانون الإجراءات الجنائية.. دعوة لإعادة النظر

محمد بصل
محمد بصل

آخر تحديث: الخميس 24 سبتمبر 2026 - 8:55 م بتوقيت القاهرة

من المقرر أن يبدأ فى الأول من أكتوبر المقبل التطبيق الكامل لقانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 الذى صدر فى نوفمبر من العام الماضى بعد جدل واسع عكس غياب التوافق على عدد من الركائز الأساسية للقانون، سواء قبل أو بعد اعتراض رئيس الجمهورية على المشروع وإعادة إرساله إلى مجلس النواب مصحوبًا بملاحظات متعددة وشرح تفصيلى لها، وأعيدت على إثرها صياغة المواد (السادسة إصدار، 48، 105، 112، 114، 123، 231، 411).

لكن الصياغة النهائية لبعض تلك المواد، بالإضافة إلى مواد أخرى فى القانون ليست مُرضيةً لجميع أطراف العدالة، وبخاصة المحامين الذين أثبتوا عبر ممثلى نقابتهم اعتراضهم على بعضها، ناهيك عن إصدار القرارات الوزارية الخاصة بتنظيم مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وآلية عملها وإطلاق منظومة التقاضى عن بعد (المحكمة الرقمية E-Court) منذ أيام معدودة أى إنها لم تخضع حتى الآن للتجربة العملية مما قد يُظهر بعض المعوقات عند التطبيق الفعلى.

ومن الطبيعى أن تواجه المنظومات الجديدة المنصوص عليها فى القانون - مثل التقاضى الإلكترونى والإعلان الإلكترونى وبدائل الحبس الاحتياطى - تحديات متعددة تتعلق بكفاءة التعامل الفنى على مستوى الشبكات وسرعة وجودة الإنترنت وسجلات الحفظ والالتزام بالمدد والضوابط المنصوص عليها فى القانون والقرارات الوزارية، لكنها ستحل بمرور الوقت وتراكم الخبرات، ولا أراها سببًا وجيهًا لدعوات إرجاء تطبيق القانون المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى.

أما الأسباب التى أراها تستدعى بالفعل تجديد الدعوة لإعادة النظر فى القانون وإرجاء تطبيقه لحين حسمها والوصول إلى صياغات توافقية بشأنها، فتتعلق ببعض المواد التى سوف تثير عند تطبيقها شبهات راجحة بعدم الدستورية، وأبرزها المواد 64 و105 و112 التى تحمل مخالفات صريحة للمادة 54 من الدستور التى تحظر مجرد بدء التحقيق مع المتهم إلّا فى حضور محاميه، وتحدد 24 ساعة كحد أقصى لتقييد حرية المتهم قبل تقديمه إلى سلطة التحقيق.

فالفقرة الثانية من المادة 64 تجيز لمأمور الضبط القضائى استجواب المتهم دون حضور محاميه «فى الأحوال التى يخشى فيها فوات الوقت» والفقرة الثانية من المادة 105 تجيز للنيابة العامة استجواب المتهم دون حضور محاميه «فى الأحوال التى يُخشى فيها على حياة المتهم متى كان لازمًا فى كشف الحقيقة الانتقال لاستجوابه» وتجعل من حق المحامى الموكل «حضور الاستجواب إذا حضر قبل انتهائه والاطلاع على ما تم من إجراءات الاستجواب فى غيبته».

وقد اعترض على ذلك 6 من أصل 13 عضوًا باللجنة البرلمانية المعنية بمناقشة ملاحظات رئيس الجمهورية، وطالبوا بتعديل المادة 64 من القانون لإكسابها مزيدًا من الضمانات، بدلًا من إضافة تلك الفقرة إلى المادة 105ليصبح لدينا مخالفتان للحظر الدستورى لبدء أعمال التحقيق فى غيبة المحامى، لاسيما وأن وزير العدل السابق المستشار عدنان فنجرى قد أقر بنفسه - وفق نص تقرير اللجنة العامة - بأن الأمر به إشكالية دستورية.

أما الفقرة الثانية من المادة 112 فتجيز الإبقاء على المتهم فى مركز الإصلاح والتأهيل إلى حين استجوابه بحضور محام، مما ينطوى على خرق آخر لقيد صريح فى المادة 54 من الدستور هو ضرورة تقديم المتهم إلى سلطة التحقيق خلال 24 ساعة من وقت تقييد حريته، مما يعنى إمكانية المصادرة على الحرية الشخصية المكفولة للمتهم دون أمر قضائى مسبب يستلزمه التحقيق.

ولقد أكدت المحكمة الدستورية العليا فى غير حكم لها أن ضمانة صون الحرية الشخصية التى تكفلها المادة 54 من الدستور من شأنها الحيلولة دون تعديل القواعد المترتبة عليها أو العدول عنها، مما يعكس حتمية الالتزام بهذه الضمانة وعدم استثناء أى حالة من الخضوع لها، لأى سبب كان.

كما أن التنظيم الجديد لإجراءات المحاكمة عن بعد يتطلب قواعد واضحة وشفافة لمراعاة مبدأ الحضور والعلانية وشفوية المرافعة والمواجهة بين الخصوم، وفق المواد (530، 531، 535، 537) كى لا يتحول التطور التقنى إلى افتئات على مبدأ دستورى واضح توارثته الدساتير المصرية حتى استقر فى المادة 187 من الدستور الحالى بنص ناصع لا يشوفه أى غموض «جلسات المحاكم علنية، إلّا إذا قررت المحكمة سريتها مراعاة للنظام العام، أو الآداب، وفى جميع الأحوال يكون النطق بالحكم فى جلسة علنية».

فالانعكاسات المباشرة لهذا المبدأ الدستورى كثيرة منها: حق المواطنين فى متابعة الجلسات والتغطية الإعلامية للقضايا دون الإخلال بمعايير السرية والخصوصية وحماية البيانات ومواثيق الشرف الإعلامى، ومراعاة خصوصية المرافعات الشفاهية خاصة فى القضايا الجنائية، وأهمية مثول المتهم بنفسه جسديًا أمام منصة العدالة لما لذلك من دور فى تكوين عقيدة القضاة.

ما سبق أمثلة معدودة للمواد الإشكالية فى قانون الإجراءات الجنائية، وليست كلها، وتحقيق توافق واسع حولها سيكون خطوة تاريخية نحو تطبيق فعّال، هادئ، داعم لقيمة العدالة ودولة القانون، وخالٍ من الشبهات والأزمات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved