دولاب بلا وطن.. دفاع متأخر عن الجلابية
عماد عبداللطيف
آخر تحديث:
الخميس 24 سبتمبر 2026 - 9:00 م
بتوقيت القاهرة
قبل عامين اختارتنى الجامعة التى أعمل بها لتسجيل مقطع فيديو تبثه على موقعها، يتناول طقوس الحياة الاجتماعية والشخصية فى بلدى خلال شهر رمضان. كان هدف الجامعة هو الاحتفاء بالثقافات المختلفة للأساتذة العاملين فيها، وهم يفدون من كل أرجاء العالم تقريبًا. قبل موعد التسجيل بأيام، اتصل بى معدُّ المقطع، وطلب أن أرتدى الزى الوطنى أثناء التسجيل. فسألتُه عن السبب، فقال إن تعزيز احترام التنوع الثقافى وتقدير التراث من أهم مقاصد المقطع، وأن هناك ثلاثة مشاركين من دول أخرى سيرتدون الزى الوطنى الخاص بهم.
عُدتُ إلى بيتى، وفتشتُ فى دولاب ملابسى. وجدتُ الكثير من البدل الغربية والجلابيب الخليجية، ولم أجد جلابية مصرية واحدة!
فى يوم التصوير ذهبتُ مبكرًا، فرأيتُ زميلًا من غرب إفريقيا يرتدى ملابسه الوطنية المزركشة المبهجة، وآخر من ماليزيا يرتدى ملابسه الوطنية المريحة. أخبرتهما أننى أجد ملابسهما مبهجة ومريحة. سألنى أحدهما إن كانت البدلة قد أصبحت الزى الوطنى فى بلدى، فقلتُ: بالتأكيد لا، الجلابية المصرية هى الزى الوطنى، وهى أيضًا جميلة ومريحة. ثم عاد يسألنى لماذا لم أرتدها فى هذه المناسبة لأعرِّف بها. شعرتُ بغصة فى حلقى، وقلتُ: للأسف لم أحضر واحدة معى من مصر، وصمتُّ.
قرابة عشرين عامًا، كانت الجلابية هى ردائى الأساسى. لم أكن أرتدى الملابس الغربية إلا فى المدرسة، أو الرحلات المدرسية. فى طفولتى لم أشعر يومًا أن الجلابية تحمل أى معنى يتجاوز وظيفتها؛ رداء بسيط، مريح، رخيص، جميل. بعد دخولى الجامعة، بدأت علاقتى بالجلابية تتغير تدريجيًا، لتكتسب معانى اجتماعية. فى البداية، توقفتُ عن تفصيل جلاليب مصرية جديدة، وبدأت أشترى الجلابيب الخليجية البيضاء الجاهزة. حين أفكر الآن فى هذا التحول غير المنطقى، لا أجد له تفسيرًا عمليًا، فقد كانت الجلابيب الخليجية أغلى ثمنًا. كما كانت تحتاج أحيانًا إلى تعديل لتلائم الجسم. لكن الأهم أننى لم أشعر أبدًا بالراحة وأنا أرتديها؛ بسبب ياقاتها الصلبة، وخاماتها غير القطنية غالبًا. وأخيرًا، فإن اللون الغالب على الجلابيب الخليجية هو الأبيض، وهو لون مناسب لبيئة صحراوية شديدة الحرارة، يعكس فيها الأبيض أشعة الشمس، ولا يفضحه غبار الصحراء؛ فالرمال فاتحة اللون مثله. أما فى مصر، فإن الجلباب الأبيض غير عملى نهائيًا، فتراب الوادى وطميُه داكنان، واتساخه حتمى لمن يجلس على الأرض فى الحقول أو يمشى فى الشوارع الترابية. ولعل هذا هو السبب فى أن قائمة ألوان الجلابية المصرية كانت تخلو من الأبيض، وتميل إلى الألوان الداكنة التى تخفى الاتساخات البسيطة.
يصعب أن يبرر العقل نبذ رداء وطنى مناسب لبيئة الشخص، ومريح لجسمه، ورفيق بميزانيته، واستعمال رداء بلد آخر لا يحقق أيًا من هذه المنافع العملية. وفى الحقيقة، فإنه لا يمكن تفسير هذا التحول بمعزل عن صراعات السلطة والهوية، بدءًا من الحقبة الاستعمارية التى فرض فيها المستعمِر زيَّه على البلدان المحتلة فرضًا مؤسسيًا فى دوائر الدولة، وفرضًا غير مؤسسى بفعل الشعور بالنقص الحضارى، الذى يؤدى إلى ولع المغلوب بتقليد الغالب، بحسب القول الشائع لابن خلدون. فتخلى المصريون عن جلاليبهم لصالح الملابس الغربية.
من ناحية أخرى، فقد صاحب حرب أكتوبر حظرٌ نفطى رفع أسعار البترول، وتراكمت فوائض مالية هائلة فى دول الخليج، نتج عنها استقدام ملايين الوافدين إلى الدول الخليجية، فأصبح النمط الخليجى فى الحياة يحظى بتقدير أعلى. وساهم المد السلفى خلال ثمانينيات القرن العشرين فى الترويج للجلباب الخليجى داخل مصر. كما اتخذه كثير من العائدين من الخليج لباسًا لهم. وشاع كذلك فى أوساط الدعاة الدينيين، وحل تدريجيًا محل الجلابية المصرية لدى شرائح ذوى الياقات البيضاء الذين لم يقطعوا علاقتهم تمامًا بالجلابية.
أدركُ الآن أننى بالتخلى عن الجلابية المصرية كنتُ أطمح، دون وعى، إلى الانسلاخ من الجماعة الأصلية التى أنتمى إليها، وهى جماعة الفلاحين وصغار التجار، لأنتسب إلى جماعة أخرى تُدرَك بوصفها أعلى فى السلم الطبقى. وحين عُينتُ معيدًا فى جامعة القاهرة منتصف تسعينيات القرن الماضى، شرعتُ، دون وعى أيضًا، فى هجر الجلابية كليّا. وحين سافرتُ فى بعثة إلى بريطانيا، لم آخذ معى ولو جلابية واحدة. وأصبحت الملابس الغربية هى ردائى الدائم. ولم أفطن إلى الأبعاد والمخاطر الثقافية لهذا التخلى عن الرداء الوطنى إلا حين دخلتُ قاعة التصوير، فوجدت الحاضرين يزهون بملابسهم الوطنية، بينما أنا سجين رداء لا يمثلنى، ولا أمثله!
الانتقاص من قيمة الجلابية المصرية خطأ، سواء على مستوى الأفراد أو الوطن بأكمله. وللأسف الشديد، فإن هذا الانتقاص يتخذ شكل تمييز مؤسسى. فطلاب المدارس والجامعات وموظفو المؤسسات الحكومية ممنوعون، فى الأعم الأغلب، من ارتداء زيهم الوطنى. وهذا المنع هو شكل من أشكال التمييز غير المفهوم. فلا يوجد أى مبرر يحول دون ارتداء التلاميذ أو الأساتذة للجلابية أثناء طلب العلم أو أداء مهام التعليم. والأمر نفسه ينطبق على كم هائل من الوظائف العامة التى لا يؤثّر ارتداء الجلابية أثناء أدائها فى كفاءة العمل، بل على العكس، قد يكون ارتداء الجلابية أكثر ملاءمة لأعمال بعينها.
يزداد هذا التمييز ضد الزى الوطنى غرابةً حين يمتد إلى سياقات الترفيه، مثل بعض النوادى والمقاهى والسينمات التى تمنع من يرتدون الجلابية من دخولها. وحادثة منع ثلاثة من أبناء الصعيد، فى مايو 2026، من دخول سينما بوسط البلد لأنهم يرتدون الجلاليب، مثال دالٌّ على ذلك. فهذا المنع يشبه مشهدًا من مسرح العبث! فكيف يُمنع شخص من دخول مكان ترفيهى فى بلده لأنه يرتدى الزى الوطنى لبلده؟! ولكى تدرك مدى لامعقولية هذه التصرفات، حاول، عزيزى القارئ، أن تقيسها على مجتمع آخر. كأن يُمنع مواطن كويتى من دخول مقهى فى بلده لأنه يرتدى الزى الكويتى! لقد تجاوز الانتقاصُ من الجلابية حدَّ المنع المؤسسى غير المبرر إلى التنمّر الاجتماعى. وهناك الكثير من العبارات التحقيرية الشائعة فى حق من يرتدون الجلابية المصرية، مثل عبارة «أبو جلابية». وكأننا نصوّب سهامنا إلى صدورنا.
كلما فكرتُ فى كيفية التعامل مع خصوصياتنا الثقافية تذكرتُ حالى، وأنا أقف أمام دولاب ملابسى حين طلبت منى جامعتى ارتداء زيى الوطنى. أتذكر كم كان الدولاب ممتلئًا بأوطان لآخرين، وخاليًا من الزى الوحيد الذى يخصنى ويمثلنى: جلابيتى.