الست حليمة

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

المخرج المغربى ياسين الإدريسى لفت الأنظار خلال مهرجان الجونة بفيلمه «حليمة»، إذ لاقى استحسانًا كبيرًا عند عرضه فى مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، وكان ذلك عرضه الأول فى العالم العربى بعد أن حاز جائزة أفضل مخرج فى مهرجان شنغهاى الدولى وفازت بطلته خديجة عمارى بجائزة أفضل ممثلة. استطاع ببراعة ونعومة أن يلمس قلوب المشاهدين بواسطة لغة سينمائية إنسانية مرهفة تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية. انطلق من سؤال ظل يؤرقه لسنوات طويلة حول قدرة الفرد على التحرر من ماضيه وعلى طى صفحة الأخطاء السابقة. ومن هذا المنطلق جاء البناء السردى للعمل قائمًا على التنقل بين الأزمنة. نشاهد حليمة، السيدة الثمانينية الهادئة، تجلس إلى جوار زوجها-ميلود- فى منزل متواضع بالقرب من البحر، حيث يعيشان على الصيد وبيع القواقع. كل شىء يبدو مستقرًا، أصوات الطبيعة تهدهدهما والألوان المستخدمة فى التصوير تضفى سكينة على الجو العام وتعكس دفء المشاعر والتحولات الداخلية للشخصية. ثم فجأة تتلقى حليمة مكالمة تليفونية تخبرها بأن الشرطة تبحث عنها لجريمة ارتكبتها قبل سنوات، فتنقلنا الكاميرا إلى ماضٍ قريب، إلى منزل آخر أكثر قتامة وعزلة، يقع فى منطقة جبلية صارمة، وتتكشف تدريجيًا ملامح هذه الشخصية المعقدة، قليلة الكلام، ذات الوجه المعبر، التى تحمل داخلها العديد من التناقضات.
يتضح أنها عاشت وحيدة فى هذا المكان بمنطقة الريف المغربى بعد وفاة زوجها الأول وخالطت مهربى القنب وتعاونت معهم وانتصرت على السلطات المحلية للاحتفاظ ببيتها بعد خوض معركة قضائية، فهى رغم صمتها شخصية قوية لاتعرف الاستسلام. لديها أجهزة لاسلكية للتواصل مع المهربين تنزع عنها الغطاء وتضبط المفاتيح وكأنها مهندس صوت متمرس، تجيد استخدامها مثلما تجيد الطبخ، وتظهر كما لو أن لديها حلًا لكل معضلة تقابلها.
• • •
المخرج ياسين الإدريسى، وهو أيضا كاتب السيناريو والمنتج والمونتير والمشرف على الديكور، حرص على الابتعاد عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة، فلا ندين نحن أيضًا الشخصية لتورطها فى أعمال غير مشروعة، بل نتعاطف معها ونحبها وننظر إليها كإنسانة وجدت نفسها فى ظروف اجتماعية واقتصادية فرضت عليها بعض الخيارات لم تسع إليها بالضرورة، فهى لم تختر مثلًا أن تقتل هذا الغريب الذى اقتحم منزلها بغرض إيذائها وسرقة أموالها، بل كانت تحمى حقها فى الوجود.. دفنته بمساعدة زائر آخر تصادف وجوده عندها، وقالت بمنتهى الهدوء إن الشريعة الإسلامية تكفل لها حق الدفاع عن النفس. بعدها تجاذبت أطراف الحديث بشكل طبيعى تمامًا، كأن شيئًا لم يكن، مع الزائر المجهول الذى اتضح أنه يتعامل مؤقتا مع المهربين، لأنه يهوى الموسيقى والغناء ويرغب فى إنتاج أعمال خاصة به.. تساعده بتلقائية شديدة على تحقيق حلمه، تطلب إليه أن يأتى بالجيتار ويغنى وتلعب فى مفاتيح أجهزة الإرسال فينطلق صوته عبر الأثير، ونكتشف بعد فترة زمنية وجيزة أنه صار مشهورًا. حليمة لديها سطوة الساحرات، بملابسها التقليدية وتعاريج وجهها والوشم المميز تجعلنا نشعر بأنها قادرة على كل شيء. وبالفعل فى لحظة ما تقرر أن تترك كل شىء وراءها وترحل باتجاه البحر لتؤسس حياة جديدة مستقرة، كما شاهدناها فى بداية الفيلم.
استلهم المخرج شخصيته الرئيسية من نساء قابلهن فى مناطق مختلفة من البلاد حين عمل لسنوات كمصور صحفى - قبل أن يلتحق بالأكاديمية الهولندية للسينما عام 2013 - واشتغاله على موضوعات تتعلق بزراعة وتجارة القنب الهندى التى تعد المغرب ضمن أكبر منتجيه، فحين التقى بعض العاملين فى هذا المجال لاحظ أنهم يبدون فى منتهى البساطة وكأن ليس لديهم ما يقولوه ثم بعد الاقتراب منهم وحدوث شيء من الألفة بينهم تظهر جوانب خفية أكثر تعقيدًا. وقد حرص فى كل أفلامه القصيرة والوثائقية السابقة أن يُعبر عن مثل هؤلاء وعن المهمشين بتفاصيلهم اليومية البسيطة والعميقة فى آنٍ واحد. وهو ما نلاحظه فى أعماله القصيرة السابقة مثل «فى انتظار الثلج» الذى صور قسوة العيش فى جبال أطلس و«عسل وجبن قديم» الذى يروى قصة شاب يستعد للهجرة إلى هولندا.
• • •
استوحى الإدريسى أيضًا بعض ملامح الشخصية من جدته التى تحمل الاسم نفسه، ما منح «حليمة» عمقًا إنسانيًا تفاعل معه المشاهد وجسدته ببراعة وصدق خديجة عمارى، وهى ممثلة مسرح وتليفزيون لعبت أدوارًا ثانوية فى بعض المسلسلات وقد وقع الاختيار عليها بعد اختبارات أداء مكثفة استمرت ثلاثة أيام. انتقل المخرج إلى مدينة مراكش حيث تقيم، واستأجر منزل إلى جوارها ليتأكد من قدرتها على التفاعل مع الشخصية والارتجال. كان يعلم أنهم بصدد مغامرة إنتاجية لأن الميزانية محدودة والتصوير سيتم فى عدة مدن وبالتالى يحتاج إلى تفرغ، وهو ما قد كان إذ استمرت التحضيرات والعمل على فيلم حوالى سنتين.
ولخديجة عمارى نفسها حدوتة لا تقل جاذبية عن الست «حليمة»، فقد نشأت فى أسرة صارمة وانقطعت عن الدراسة فى سن مبكرة واضطرت إلى العمل من أجل لقمة العيش. علمتها الحياة قبل الكتب، وتزوجت من رجل يونانى لمدة 46 عامًا، لم يسمح لها بممارسة أى هواية أو نشاط فنى. تقول فى أحاديث لها إنها كانت تشعر كأنها فى قفص بلا حرية ولا أفق وإن رحلة التغيير بدأت بعد وفاته، إذ قررت ممارسة الفن، سواء التمثيل أو الرسم أو الأعمال اليدوية، والاتجاه إلى العمل الخيرى والتطوعى. تبنت ثمانية أطفال ووفرت لهم كل احتياجاتهم بمفردها ورفضت الزواج أو الدخول فى علاقات عاطفية من أجل التفرغ لهم. تشعر بأن الطريق ما زال طويلًا لكنها راضية، فقد نجحت فى أول دور بطولة يُسند إليها، وأوصلت لنا قوة شخصية الست حليمة وجعلتنا نصدق أنها قادرة على كل شىء.. حتى حين يتم القبض عليها فى النهاية يظل لنا لدينا أمل أن «حليمة» ستنجو بنفسها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved