المهنة.. صانع محتوى
يحيى عبدالمبدي محمد
آخر تحديث:
السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
لدى حسابات على معظم منصات التواصل الاجتماعى محاولًا ألّا أنقطع قدر الإمكان عن التحولات المتسارعة التى يشهدها العالم، لا سيما تلك التى غيّرت طرق تواصل الناس وتفاعلهم مع الأفكار والأحداث. ومع ذلك، فإن معظم منشوراتى، شأنها شأن منشورات معظم خلق الله، لا تحظى بانتشار واسع أو بـ«إعجابات» كثيرة، رغم قناعتى، التى قد لا يشاركنى فيها الآخرون، بأن ما أنشره من نصوص وصور ومقاطع عادة ما يكون ذا معنى. وفى ظنى، لا يخلو من جاذبية فى الشكل واللغة.
• • •
قبل أيام، قررت أن أخوض تجربة جديدة، فدفعت لشركة «ميتا»، المالكة لفيسبوك وإنستجرام، خمسين دولارًا مقابل الترويج لأحد منشوراتى، وهو مقطع فيديو صممته باستخدام عدد من البرامج والمنصات الرقمية، منها «كانفا» وغيرها. نشرت المقطع فى العاشرة مساء، من دون حماس كبير أو توقعات استثنائية، ثم انصرفت إلى مشاهدة إحدى مباريات كرة القدم.
لكن المفاجأة جاءت بعد ساعات قليلة. فقد بدأ هاتفى يصدر أصواتًا متلاحقة، مع إشعارات تخبرنى بأن المنشور يحصد عشرات «الإعجابات»، وأن أعداد المتابعين تتزايد بصورة لم أعهدها من قبل. ولم تمضِ ثلاثة أيام حتى تجاوز عدد الإعجابات بالمنشور المدعوم سلفًا عشرين ألفًا، وارتفع عدد المتابعين للحساب إلى أكثر من ثلاثة آلاف!
لم أكن أتوقع ما حدث، فسألت ابنى، باعتباره أكثر منى خبرة بثقافة وسائل التواصل الاجتماعى وأسرارها. ابتسم ابتسامة عريضة، وقال بلهجة لا تخلو من الاستغراب: «مالك ومال الموضوع هذا؟! هذه قصة طويلة وبيزنس له دروبه وحواريه وحواراته!». ثم أخذ يشرح لى كيف تحولت صناعة المحتوى إلى عالم اقتصادى واسع، وكيف يجنى بعض العاملين فيه ملايين الدولارات، وكيف أن له صديقًا اتخذ من صناعة المحتوى عملًا، ويحلم بأن يصبح يومًا من كبار المؤثرين المشهورين.
استمعت باهتمام، ولكنى توقفت عند الجملة الأخيرة: اتخذ من صناعة المحتوى عملًا!
نعم، لقد أصبحت هناك مهنة جديدة يعرّف بها بعض الناس أنفسهم بكل جدية وثقة: أعمل «صانع محتوى» أو «صانعة محتوى». وقد يضيف أحدهم لقبًا آخر أكثر بريقًا ووجاهة: «مؤثر».
أعادتنى هذه التسمية إلى تلك الخانة التقليدية فى بطاقة الهوية والأوراق الرسمية التى تسأل عن المهنة. كنا نكتب المهنة: مدرس، أو طبيب، أو عامل، أو موظف.. إلخ. أما اليوم، فقد يكتب شاب فى العشرين من عمره: «صانع محتوى»، وربما كان دخله وشهرته وتأثيره أضعاف ما يحققه أستاذ جامعى قضى ثلاثين عامًا بين الكتب وقاعات الدرس.
• • •
وفى رأيى، لا داعى للانزعاج أو الاعتراض على المهنة الجديدة، فالمهن تتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمعات والتكنولوجيا والاقتصاد. لكن ما يستحق التأمل، وربما الانزعاج، هو أن هذه المهنة الجديدة لم تكتفِ بتوفير فرص للعمل والربح والشهرة، بل بدأت تؤثر فى علاقتنا بالمعرفة والثقافة، وفى نظرتنا إلى من يحق له أن يتحدث باسمهما.
فمن هو صانع المحتوى؟ وما الذى يصنعه بالضبط؟ وهل يكفى أن ينتج الإنسان صورًا أو مقاطع فيديو أو تعليقات تجذب آلاف المتابعين حتى يصبح مؤثرًا؟ والأهم: هل أصبح التأثير فى الناس بديلًا عن المعرفة التى كانت تمنح أصحابها، فى الماضى، مكانتهم فى المجال العام؟
قبل عقود قليلة، كان المثقفون يحتلون مكانة مميزة فى الحياة العامة. فقد كان الكتّاب والمفكرون والأكاديميون يكتسبون سمعتهم وحضورهم عبر سنوات من القراءة والبحث والكتابة، ومن خلال إسهاماتهم فى الكتب والدوريات والصحف والندوات والنقاشات العامة. ولم يكن ذلك العالم، بالطبع، مثاليًا؛ فقد عرف مجتمع النخبة الثقافية عيوبًا ومثالب، من التعالى على الجمهور إلى احتكار المنابر وتبادل الاعتراف داخل دوائر ضيقة. ومع ذلك، فقد ظلت المعرفة والخبرة مصدرًا أساسيًا للمكانة الثقافية.
أما اليوم فقد أصبح الوصول إلى جمهور واسع أقل ارتباطًا بالشهادات العلمية والكتب المنشورة وسنوات الخبرة. يكفى هاتف ذكى أو ميكروفون وكاميرا، وفكرة قابلة للتداول، وقدرة على جذب الانتباه، وربما شىء من الحظ أو المال، حتى يجد الإنسان نفسه، بين عشية وضحاها، يخاطب آلاف الناس.
وقد تجد شابًا لم يدرس الاقتصاد يومًا يشرح لمتابعيه على منصة رقمية أسباب التضخم ومستقبل العملات المشفرة، وآخر يقدم نصائح نفسية عن الرهاب الاجتماعى بثقة المعالج المحترف، وثالثًا يعيد تفسير أحداث التاريخ فى مقطع لا يتجاوز دقيقة أو دقيقتين. وليس مستبعدًا أن يحظى أحد هؤلاء بجمهور يفوق بمراحل جمهور أستاذ متخصص أمضى سنوات فى دراسة الموضوع نفسه. والمفارقة أن عدد المتابعين قد يصبح، فى نظر بعض الناس، دليلًا كافيًا على صدق ما يقال.
• • •
لعل تجربتى المتواضعة مع الخمسين دولارًا تقدم مثالًا صغيرًا على هذا التحول. فالمنشور الذى لم يكن ليصل، على الأرجح، إلى هذا العدد من الناس، أصبح فجأة حاضرًا على شاشات الآلاف، لا لأن أفكاره ازدادت عمقًا، أو لأن لغته أصبحت أكثر جمالًا وحكمة، بل لمجرد أننى دفعت مالًا لتوسيع نطاق انتشاره. لقد بقى المحتوى كما هو، لكن عدد الذين شاهدوه تضاعف بصورة هائلة. وهنا أدركت أن ما اشتريته لم يكن إعجاب الناس بأفكارى، وإنما فرصة أكبر لعرضها عليهم. أما الإعجاب نفسه، فله حكاية أخرى.
بالتأكيد، لم أكن أول من يكتشف ذلك. فقد أصبحت السيطرة على انتباه الإنسان وعقله هدفًا اقتصاديًا تتنافس عليه شركات التكنولوجيا والإعلان وصناعة الترفيه. والخوارزميات لا تسأل بالضرورة عما إذا كان المحتوى عميقًا أو سطحيًا، صحيحًا أو مضللًا، بقدر ما تهتم بقدرته على جذب المستخدمين وإبقائهم أطول وقت ممكن أمام شاشاتهم.
لقد دخلنا عصرًا أصبح فيه انتباه الإنسان سلعة اقتصادية ثمينة، وتحول التنافس على اجتذابه إلى صناعة ضخمة. وفى هذا الاقتصاد الجديد، لم يعد المفكر يتنافس مع مفكر آخر فحسب، بل أصبح يتنافس مع لاعبى كرة القدم، والممثلين، والطهاة، ومقدمى البرامج التليفزيونية، وصناع المقاطع الكوميدية أو المقاطع المثيرة والخادشة للحياء، وربما حتى مع قطة أو قرد يؤدى حركة طريفة أمام الكاميرا!
وليست المشكلة فى القطة أو القرد، ولا فى حق الناس فى الترفيه والمتعة، وإنما فى أن قواعد المنافسة على الانتباه والعقل بدأت تفرض نفسها حتى على المجالات التى تحتاج إلى وقت وصبر وتأمل.
فقد أصبح بعض المثقفين من مفكرين وأكاديميين يشعرون بأن عليهم أن يختزلوا أفكارهم فى مقاطع فيديو لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين، وأن يستهلوا حديثهم بعناوين مثيرة أو صادمة، وأن يقدموا إجابات سريعة وحاسمة عن قضايا بالغة التعقيد. ولم يعد السؤال دائمًا: هل ما أقوله صحيح ومهم؟ بل أصبح، بصورة واضحة: هل سيحقق مشاهدات؟
• • •
أما المشكلة الأخرى فتتعلق بسرعة إيقاع هذا العالم. فصانع المحتوى الناجح مطالب بالحضور المستمر والتعليق على الأحداث وملاحقة ما يشغل الناس. وإذا غاب أيامًا، فقد يخشى أن تنساه المنصة وينصرف عنه المتابعون. وهكذا يصبح الصمت والتفكير والتروى مخاطرة مهنية فى عالم صانعى المحتوى والمؤثرين.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضى الاعتراف بأن صناع المحتوى لم يهبطوا من السماء على حياة ثقافية مزدهرة فأفسدوها. فقد وجدوا أمامهم فراغًا تركته، فى جانب كبير منه، المؤسسات الثقافية والأكاديمية التقليدية.
فكم من مثقف أمضى حياته يخاطب زملاءه وأصدقاءه بلغة «محفلطة»، على حد تعبير الراحل أحمد فؤاد نجم، عندما وصف المثقف ذات مرة ساخرًا: «يعيش المثقف على مقهى ريش: مزفلط، محفلط، كثير الكلام، قليل الممارسة، عدو الزحام». وكم من أكاديمى رصين أنتج أبحاثًا لا يقرؤها سوى حفنة من الباحثين، ثم شكا من تراجع مكانة المعرفة فى المجتمع؟
لقد أتاحت المنصات الرقمية لأصوات جديدة أن تصل إلى الجمهور من دون المرور عبر المؤسسات التقليدية أو انتظار اعترافها. وهناك بالفعل صناع محتوى يقدمون معارف جادة ورؤى قيمة فى مختلف فروع المعرفة. وبعضهم يمتلك قدرة على شرح الأفكار المعقدة بلغة واضحة وجذابة قد يفتقدها كثير من المتخصصين. وربما نجح هؤلاء فى إثارة فضول الشباب وجذبهم أكثر مما نجحت فيه بعض المؤسسات التعليمية والثقافية العريقة.
ولذلك، فإننى لا أرى أن الصراع الحقيقى يدور بين المثقف والمؤثر أو بين المعرفة والتكنولوجيا. فالمثقف نفسه يستطيع أن يكون مؤثرًا، وصانع المحتوى قد يكون صاحب معرفة عميقة. بل ربما كان من المفيد أن يتعلم الأكاديمى شيئًا من مهارات التواصل التى يتقنها صناع المحتوى، وأن يتعلم بعض المؤثرين شيئًا من فضيلة التروى والتثبت قبل الكلام، أو ما يُعرف بأدوات التفكير الناقد. إن الصراع الحقيقى يتمثل فى التحولات التى صاحبت هيمنة المنصات الرقمية فى تصورنا لمفهوم المعرفة ومصادرها وأصولها.
• • •
بينما كنت أفكر فى هذه التحولات، عدت إلى هاتفى، وألقيت نظرة أخرى على أعداد الإعجابات والمتابعين التى اجتذبها منشورى. ولا أنكر أننى شعرت بشيء من الرضا والسرور. فمن منا لا يسعد حين يكتشف أن الآخرين يهتمون بما يكتبه أو ينتجه؟ وربما تكون هذه بداية مناسبة لأن أكون مستقبلًا صانع محتوى معروفًا أو مؤثرًا مشهورًا!
وفى المرة المقبلة التى يسألنى فيها أحدهم عن مهنتى، ربما أتوقف قليلًا قبل الإجابة، فهل أقول إننى أستاذ جامعى أم كاتب أم باحث أم مجرد شخص يجرب حظه فى مهنة جديدة اسمها «صانع محتوى»؟
أستاذ مشارك بجامعة جورج تاون