«أنبياء الله» بهجة القصص

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

(1)
كلما وقع ناظرى على كتاب أنبياء الله للكاتب الراحل أحمد بهجت فى طبعة الشروق الأنيقة، عدت بذاكرتى إلى سنوات الطفولة البعيدة، حينما كانت «قصص الأنبياء» و«قصص القرآن» هى النافذة الأولى على بهجة القص ومتعته وشغفه، وليس من بين أبناء جيلى (فيما أتصور) من لم تتفتح عينه، فيما قبل العاشرة، على قصص الأنبياء سماعًا أو قراءةً أو مشاهدةً من خلال أفلام الرسوم المتحركة أو ما شابه.
لكن تبقى للقراءة وحدها بهجتها وذكرياتها وأثرها الذى لا يزول، ومن بين كثرة كاثرة من طبعات وتأليف «قصص الأنبياء» الموجهة للأطفال والناشئة، كانت ثمة مجموعتان متميزتان بقيتا فى الذاكرة؛ وهما مجموعة «قصص الأنبياء» للراحل عبد الحميد جودة السحار، و«أنبياء الله» المبسطة للأطفال للراحل أحمد بهجت. وكل منهما لعبت دورًا فى غرس محبة قصص الأنبياء فى نفسى وروحى، وكلاهما أبدع فى سرد القصص جماليا وحكائيا مع إبراز القيم الروحية والأخلاقية والمغزى العام لكل قصة من أنبياء الله الكرام.
(2)
أول ما قرأتُ فى حياتى، وطالعته عيونى من أسطر وأحرف مرقومة، كان طبعةً ملونة من قصص الأنبياء للأطفال (لا أذكر عنها شيئًا سوى صور وتهاويم ضبابية)، لكننى أذكر جيدًا، وكنتُ فى الصف الثالث الابتدائى، أننى قرأت المجموعة الرائعة التى ألّفها المرحوم عبد الحميد جودة السحار بعنوان «القصص الدينى» فى أربع حلقات، تتكون كل حلقة من أجزاء متصلة؛ الأولى «قصص الأنبياء» (فى 21 جزءًا)، ثم «السيرة النبوية» (24 جزءًا)، ثم «قصص الخلفاء الراشدين» (20 جزءًا)، وأخيرًا حلقة «العرب فى أوروبا» (36 جزءًا).
وأزعم أن هذه القصص المبسطة التى لم تكن الواحدة منها تزيد على عشرين صفحة من القطع الأقل من المتوسط، وحروفها مكبّرة ومشكولة بالكامل، كانت هى نقطة البدء والانطلاق لقراءات أوسع وأكبر وأكثر عمقًا وتخصصًا ودقة فى الثقافة الإسلامية عمومًا، وسيرة النبى الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفى التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية.
استلهم السحار القصص القرآنى فى إنشاء هذه المجموعة، وكتب فى مقدمته لها موضحًا ذلك: «وفى القرآن الكريم قصص رائع جميل، فلم لا يأخذ مكانه فى مكتبة الطفل؟ ولم لا تنتفع هذه المكتبة بهذا التراث الجميل؟». وفى ظنى أنه حقق ذلك باقتدار وبراعة؛ وإلا فكيف لتلميذ فى المرحلة الابتدائية ما زال يتعلم القراءة والكتابة أن يتفاعل بهذه السرعة والسلاسة مع قصصه الدينى المستلهم من القرآن، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامى؟
وبحسب ما يوضحه السحار فى مقدمته الوجيزة لحلقات السلسلة كلها، فإنه راعى عند كتابتها اعتبارين: الأول أن تكون النصوص القرآنية هى المصدر الأول لما يُكتب، والثانى أن يحقق السرد الفنى للقصص ما يربى فى الطفل الشعور الدينى، ويقوى الحاسة الفنية، وينمى الذوق الأدبي. وأظنه نجح تمامًا فيما قصد إليه.
(3)
من محطة «قصص الأنبياء» للسحار إلى «أنبياء الله» لأحمد بهجت (فى نسختيه؛ المبسطة للأطفال والأخرى للكبار)؛ أظن أننا لن نجاوز الحقيقة لو قلنا إنه لم يُكتب لكتاب معاصر عن (قصص الأنبياء) من الذيوع والشهرة والقبول مثل هذا الكتاب.
لقد قدّم المرحوم أحمد بهجت عملًا تفتخر به المكتبة العربية (مع صنويه الجميلين المهمين؛ «قصص الحيوان فى القرآن»، و«بحار الحب عند الصوفية»، ويستحق هذا الكتاب الأخير مقالًا منفردًا لجماله وفرادته)، خطّه بحسه الصوفى بالغ الرهافة، وأسلوبه السلس الممتع، وقدرته الفذة على التحليل والتبسيط، ليحتل مكانه فى قلوب القراء. أو كما يقول ناشره الكبير فى تصدير طبعته الأربعين: «أنبياء الله» الذى أبدعه أحمد بهجت بريشة الأديب، وعقل المثقف المحب، وقلب الإنسان المرهف فى إنسانيته المنفتح فى إيمانه».
لا يقدم بهجت تاريخ قصص الأنبياء بحياد بارد، وإنما هو بعث لثورات المسافرين دائمًا إلى الله، منذ آدم عليه السلام وصولًا إلى النبى الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم).
فى واحدةٍ من المقدمات العديدة للكتاب، يوضح مؤلفه كيف ظهر للمرة الأولى؛ لقد ظهر فى طبعة مبسطة للأطفال (هى التى ستُنشر فيما بعد بذات العنوان، لكن بعنوان فرعى للأطفال)، نُشر أولًا على امتداد ستة أشهر فى مجلة «ميكى» الشهيرة للأطفال، ثم جُمع ونُشر كما هو فى كتابٍ قال فى نهايته: «إن أحد أحلامى الكبيرة أن أكتب قصص الأنبياء للكبار، لو جعل الله فى العمر بقية، وشاءت رحمته أن تمنح الإذن والعون».
ويضيف أن مادة «أنبياء الله» وصياغته ولغته هى ثمرة لقراءةٍ بدأت فى الإسلام والصوفية منذ سن الخامسة عشرة حتى سن الأربعين. يقول: «وعلى الرغم من أننى أعمل فى الصحافة فى ميدان النقد والأدب، فإن هوى قديمًا للإسلام جعلنى أنظر لكل ما كتبته مثلما ينظر المرء إلى سحابةٍ مارة لا تلبث أن تتبدد. لا خلود لشىء على الأرض. الخلود لله وحده.. لكلمات الله وحدها.. توقفت قبل أن أكتب الكتاب عند سؤالين سألتهما لنفسى:
ما الجديد الذى تنوى تقديمه فى الكتاب؟ وأى منهج سوف تتبع فى كتابته؟..
ولهذا حديث آخر...

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved