ضجيج البلهاء
خولة مطر
آخر تحديث:
الأحد 25 يناير 2026 - 6:25 م
بتوقيت القاهرة
تذكّرك التقارير الحديثة أن مهنتك التى عشقتها، أو ربما أدمنتَها، والتى دفعت أثمانًا كبيرة لتبقى على هامشها إن لم تستطع أن تكون فى قلب مشهدها، تقول هذه التقارير إنها فى طريقها إلى الانقراض، على الأقل بصيغتها التى عرفناها. ليس لأن العالم لم يعد بحاجة إلى الصحافة، بل لأن الإعلام، عبر سنوات طويلة وفى محاولاته للبقاء وعدم الانقراض وسط أمواج كبيرة من عالم يتحوّل إلى التكنولوجيا الحديثة السريعة جدًا، تحول المتلقى إلى وسائل التواصل ليتلقى الخبر أثناء وقوعه، لا لينتظر حتى موعد صدور الجريدة أو نشرة الأخبار على محطتك المفضلة. هنا يأتى الخبر سريعًا فى بضع كلمات أو سطر، وبعدها تعود لما كنت أنت فيه من أعمال أو واجبات، أو حتى لفضاءات واسعة لرجال ونساء برزوا فوق زبد وسائل التواصل بأسماء وتعريفات لينشروا أى شىء وكل شىء، وكثير منه لا يحمل سوى التسطيح والبلاهة.
• • •
لم تسقط الصحافة فقط بسبب سرعة تكنولوجيا التواصل على اختلافها، بل لأنها، ومعها الإعلام، تحولت لأدوات فى يد من يملك أو يسيطر على صناعة أو صياغة أو تحديد ما هو الخبر وما هو التحقيق أو الاستقصاء. صحافة وإعلام معلب، مكرر، مثله مثل علب البسكويت أو الشوكولاتة أو الشيبسى على أرفف السوبرماركت، عابر الحدود!
• • •
فى زمن التفاهة، لم يعد الجهل عائقًا أمام الشهرة، بل صار جسرًا إليها. فجأة، ينتشر من يعلّمك ماذا تقرأ وكيف تقرأ، ومن ينصحك كيف تحافظ على صحتك، وكيف تشفى من أمراضك، وكيف تعالج اكتئابك، وكيف تنقذ زواجك، وكل ذلك فى دقائق معدودة، وكأن المعرفة، رغم أنها كثيرًا لا تكون علمية، تُختزل فى وصفات معلبة تُبتلع على عجل. لا حاجة للكتب، ولا للتراكم، ولا للشك؛ كبسولة واحدة تكفى.
• • •
فى مقطع مصوَّر، يقف أحدهم داخل مسجد الرفاعى فى القاهرة ليُعلن لمتابعيه «خبرًا جديدًا» لم يعرفه العالم من قبل: شاه إيران مدفون هنا. يقولها أو تقولها بنبرة اكتشاف مذهل، وكأنها تصرخ: «وجدتها، وجدتها!» وكأن كتب التاريخ، والباحثين، والأرشيف، لم يمرّوا من هنا قط. وحين يصبح الجاهل صاحب منصة، ويُمنح أتباعًا أو «مريدين»، يتكفل هؤلاء بنشر المقطع، فتنتشر قلة المعرفة، لا بوصفها خطأ عابرًا، بل كحقيقة بديلة، مرفقة بثقة عالية وصوت جهورى وبعض من مساحيق التجميل حتى للرجال!
• • •
هكذا تُعاد تدوير الأخبار القديمة باعتبارها اكتشافات، وتُقدَّم التفاهة على أنها تبسيط، ويُسوَّق الجهل بوصفه قربًا من الناس. مؤثّرون، مقدّمو بودكاست، وحوارات على اليوتيوب، يعيشون على فتات اقتصاد هش: اقتصاد التفاهة. صناعة كاملة لا تنتج معرفة، بل تستهلك الانتباه، وتزرع مفردات جديدة، ومعايير هشة، وتطبع العقول على الاستسهال. قامت التكنولوجيا والتطور الحديث بفتح أبواب واسعة لكل «محظوظ» يحمل جهازًا ذكيًا فقط لا غير. وسمحت وسائل التواصل الاجتماعى، عن قصد أو دون قصد، لفِرَق كاملة، بل لجيوش من الحمقى، أو ربما ليسوا جميعًا كذلك، بل أنصاف متعلمين وباحثين عن الشهرة أو عن وظيفة فى وقت أصبحت البطالة أكثر انتشارًا من رغيف الخبز، بأن يسترسل بعضهم فى ثرثرة بلا توقف، وينشروا الأوهام، ويقدّموا المسكنات بدل الفهم. وهى مسكنات تلائم إيقاع حياة سريعة، يجرى فيها البشر خلف معرفة فورية، بلا صبر، ولا سياق، ولا مساءلة. حتى الصحة لم تسلم: مرضك له حل سريع، ونفسيتك لها وصفة جاهزة، وأوجاعك تُختصر فى فيديو مدته دقيقة. هى أيضًا ثقافة الاستسهال والربح والشهرة السريعة.
• • •
ولم يكتفوا بالدواء والغذاء وغيرها، بل ظهرت مهنة جديدة اخترعوها عبر وسائلهم السريعة وهى «اللايف كوتش» ليعلمك كيف تعيش، وكيف تتعايش مع مشاكلك العائلية والنفسية والوظيفية واليومية، دون أن يسألك عن جذورها أو عن البنى التى صنعتها. نصائح عامة، لغة تحفيزية، ووعود فارغة، تُباع بوصفها خلاصًا فرديًا فى عالم يرفض الاعتراف بمسئولياته الجماعية. وبالطبع مع انتشار واسع لعلماء أو دارسى علم النفس على أيدى أساتذة ومعلمين بيض، وكأن العالم بأكمله هو هم!
• • •
لسنا أمام موجة عابرة، بل أمام مشهد كامل تُدار فيه حرب صامتة: حرب على المعنى، وعلى المعرفة، وعلى الحق فى السؤال. حرب لا تُقصى العاقل فقط، بل تُشيطنه، وتُقدّم البلادة بوصفها خفة، والتفاهة بوصفها قربًا من الناس. وربما هنا يكمن الخطر الحقيقى: حين يصبح الجهل ذا مكانة، ويُكافأ بالانتشار، ويتحوّل إلى سلطة ناعمة لا تحتاج إلى قمع، لأن الضجيج وحده كافٍ لإسكات كل ما عداه. بل عندما يحاول بعض العقلاء أو أصحاب المهنة الأصليين من الإعلاميين والصحفيين أن يمارسوا مهنتهم، يكون مصيرهم، كما الكلمة الصادقة، الزنازين أو المحاكم الصورية، حتى تُغلق كل الأبواب فى وجه الخبر أو المعرفة الحقة فى زمن التفاهة.
كاتبة بحرينية