الصراع على تهميش مصر

عبدالمنعم المشاط
عبدالمنعم المشاط

آخر تحديث: الإثنين 26 مارس 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

يثير المشهد السياسى الآن حفيظة كل المتخصصين فى تحليل الدور الإقليمى المركزى لمصر ودورها الدولى؛ فهناك بالتأكيد صراعات عنيفة لاستمرار تهميش مصر، وهى الدولة التى تؤهلها مواردها الجيوستراتيجية والبشرية التى تتحول إلى قدرات فاعلة لتبؤ دور الدولة المركزية فى المنطقة ودورها الفاعل فى النظام الدولى، وإذا كانت أكبر خطيئة استراتيجية ارتكبها رئيس التهميش السابق تكمن فى تعمد تهميش مصر والاستكانة لدويلات أخرى كى تلعب أدوارا أكثر فاعلية فى إدارة الصراعات وحل النزاعات متجاهلة الدولة المصرية؛ فإنه من غير المتصور أن تستمر تلك السياسة بعد الثورة، وإذا كانت الثورة قد رفعت شعار الكرامة كأحد أهدافها الثلاثة الكبرى، إلى جانب الحرية والديمقراطية؛ فإنها تعنى بذلك الإقرار بحق المواطن فى وطنه وتكريس دوره الوطنى، وتعنى بالنسبة لمصر عودتها للدور الإقليمى المركزى الذى تؤهلها له قدراتها الطبيعية والبشرية.

 

●●●

 

إن التنافس الذى يدور الآن فى مصر ليس تنافسا لإعادة بناء الدولة المصرية الجديدة برؤى إبداعية، ولكنه صراع بين الأطراف المحلية الفاعلة والإقليمية الطامعة والدولية المتحفزة لاستمرار تهميش الدولة المصرية، لأن انطلاقها من كبوتها إلى الدور الإقليمى المركزى الطبيعى يخيف أطرافا عدة، من ثم، يقومون بمحاولات للانقضاض عليها لاستلاب روحها وإفشال ثورتها واستمرار تهميشها، وعلى الرغم من تشابك وتعقد التحديات التى تواجه الدولة المصرية؛ فقد كان من الممكن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه إذا حدد منذ البداية استراتيجية واضحة لإعادة بناء الدولة ودورها الإقليمى المركزى فى وقت كانت تلتف حوله الجماهير المصرية وتسانده مساندة شبه كاملة، بيد أن الأزمات الداخلية الحادة بدءا من ماسبيرو وانتهاء بمذبحة بورسعيد إضافة إلى أزمة المنظمات غير الحكومية الخارجية قد شتتت التركيز حول التفكير فى إعادة بناء الدولة المصرية على أسس جديدة، وانخرط المجلس الأعلى فى تفاصيل داخلية فوتت فرصة فريدة على الوطن.

 

كما أن البرلمان المنتخب، بمجلسيه، لم يستطع، حتى الآن، أن يستوعب حتمية التفكير البنَّاء، من جانب ممثلى الشعب، فى مستقبل الدولة المصرية، ولم يستجب، حتى الآن، لتطلعات الشعب المصرى، على العكس من ذلك، دارت مناقشاته حول تفاصيل يومية لا تتعلق بأية رؤية سياسية، وفوق ذلك، وقع البرلمان فى شراك الشد والجذب حول تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وهو الوثيقة التى ينبغى أن يشارك فيها ممثلو القوى السياسية المختلفة، وقد كان من الأفضل لأعضاء البرلمان أن يؤثروا الآخرين على أنفسهم فى تشكيل اللجنة وصياغة الدستور، إن هذا الخلاف الذى قد يستمر طويلا ويتفاقم ويثير اللغط حول الدستور القادم يؤثر بالضرورة على مكانة مصر الإقليمية والدولية، هذا فضلا عن تجزئة المصريين فى الداخل وفقا للتيارات الفكرية والمهنية المختلفة، دون اعتبار للمصلحة القومية العليا، وهذا ما ينبغى تجنبه.

 

●●●

 

يضاف إلى ذلك، المعضلة المتعلقة بانتخاب رئيس جديد للبلاد، وبدلا من أن يكون ذلك تتويجا لدور الثورة فى التحول الديمقراطى فى مصر؛ فقد أوجد بدوره غيوما كثيفة حول الدور الإقليمى والدولى المتوقع لمصر؛ فالانتخابات الرئاسية تتم فى العالم كله وفق الاختيارات الشعبية الحرة، وهذا ما ينبغى أن يتم فى مصر، إلا أن ما أثير حول الرئيس التوافقى، وهو مفهوم غير معروف فى العلوم السياسية أو التجارب السياسية، أو الرئيس الذى يمثل التيار الغالب فى البرلمان أو الرئيس الذى يأتى برضا برلمانى وعسكرى تثير كلها هواجس لدى المصريين من ناحية والأطراف الدولية من ناحية أخرى، هذا فضلا عن القوى الإقليمية المتربصة بمصر؛ ففى الوقت الذى تؤكد فيه خبرات الدول الأخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، أن أفضل مرحلة فى رسم السياسات الأمريكية فى الداخل والخارج تتم حينما تأتى أغلبية الكونجرس من الحزب المنافس لحزب الرئيس الحاكم، تسعى أغلبية البرلمان إلى البحث عن مرشح رئاسى ينتمى إليها فكريا وربما تنظيميا، إن ذلك إذا حدث سوف يصيب النظام السياسى المصرى بشلل تام، ويؤثر بالضرورة على التحرك المصرى فى إطاره الإقليمى، وكذلك الدولى لأن المطلوب هو رئيس ذو رؤية جديدة مغايرة لما آلفه المصريون.

 

إن الخروج من هذا المشهد المعقد يتطلب من المؤسسات والقوى آنفة الذكر أن تفكر بصورة جدية فى شكل الدولة المصرية التى نسعى إلى تحقيقها والدور المنوط بها والتفاعل مع المواطنين من أجل تحقيقها. ويقتضى ذلك بالضرورة الإقلاع عن الإغراق فى التفاصيل التى تؤجج الخلافات غير الضرورية والتأمل فى الأهداف الكلية التى يجمع عليها المصريون، وعلى رأسها بناء دولة جديدة تنقذنا من الدولة الرخوة التى تقف على مشارف الفشل ونظام سياسى منبت الصلة عن النظام السابق يُبنى على مؤسسات فاعلة ورؤى ثاقبة وتفاعل بنَّاء مع المواطنين. إن أخطر ما يواجه مصر الجديدة اليوم هو مدى وجود رغبة أكيدة للخروج من الصندوق الأسود الذى وضعنا فيه النظام السابق لأن الحركة السياسية اليوم لا تزال تتم فى هذا الإطار الضيق، بمعنى آخر، نحن فى احتياج شديد إلى التحرر الذهنى من السجن الفكرى والعقلى الذى عشش عقولنا وانعكس على فهمنا وسلوكنا لمدة طويلة، وهذه مسألة، وإن كانت شديدة التعقد، إلا أنها ممكنة إذا تم الانتقال بالتفكير إلى المستقبل والتحرر من الماضى والحاضر والتفكير فى المصلحة القومية قبل المصالح الأخرى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved