تباعد اجتماعى.. تقارب إنسانى

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 25 مارس 2020 - 10:25 م بتوقيت القاهرة

يصعقنا واقع جديد، يدمر كثيرا مما نعرفه، يعيد ترتيب أولوية التعامل مع الغير، بلد تلو الآخر يدخل فى ديناميكية اجتماعية ومجتمعية جديدة، تبدأ بتعليمات صارمة من قبل الدولة تواجهها بعض المقاومة حينا وبعض المزاح حينا آخر، ثمة موجة بدأت تضفى اللون الرمادى على الناس، رمادى بحكم البعد الذى تفرضه على العلاقات الإنسانية فها نحن ننسحب من الفضاء العام ونغلق أبواب البيوت على الأسرة بمفهومها الضيق، أو على الفرد لمن يعيش وحده.
***
قد يكون ذلك الوضع حلم كل شخص يحب العزلة، قد يرى البعض، على الأقل فى الأيام الأولى للحظر الاجتماعى أن العالم قد استعاد رشده أخيرا بعيدا عن الصخب الجماعى وعن الحياة الحديثة المثقلة بزحام اللقاءات والتجمعات.
***
أو قد يدفعنا الوضع الجديد إلى العودة إلى هوايات ابتعدنا عنها لعدم اتساقها مع إيقاع الحياة السريع، كالأعمال اليدوية أو القراءة أو حتى التأمل من نافذة البيت فى الصباح، قد يدفعنا الوضع الجديد إلى الاتصال بالناس والتحدث معهم عبر الهاتف بدل الرسائل النصية والصوتية التى درجت فى السنتين الأخيرتين وفى الشهور التى سبقت الوضع الجديد.
***
دخلنا فى ديناميكية جديدة اسمها التباعد الاجتماعى، تفرض ألا نقترب من أى شخص حتى نتحاشى تفشى الوباء، وها نحن نعيد النظر فى العلاقات الإنسانية فى الوقت ذاته، فمن اعتاد على مدى أجيال متتالية على التجمعات العائلية والاجتماعية، من يعيش ضمن عائلة تتشارك البيت، من يعتبر الدفئ هو دفئ العلاقات بمن حوله تراه ينظر حوله كمن لبس نظارة ليست له فبات لا يتعرف على الأشياء من حوله.
***
هذا الأسبوع اكتشفت الهاتف من جديد، تواصلت مع صديقات لم أتحدث معهن منذ مدة، بدأت أتساءل لماذا تأجلت بعض اللقاءات فى الفترة الأخيرة، طغت أخبار الوضع الحالى على الحديث، لكنى سمعت أيضا أخبارا عنهن حدثت فى الشهور الأخيرة ولم أعلم بها، تنبهت أننى ألتقى بمن أحب فى كل زيارة إلى حيث يعيشون، لكنى نادرا ما أتواصل مع الأصدقاء خارج اللقاءات سوى عن طريق الرسائل القصيرة والسريعة.
***
فى زمن التواصل الاجتماعى والشبكات التى بات من الصعب الوجود خارجها، فى زمن أشعر فيه أننى قريبة إنسانيا مع الجميع، حتى بطريقة خداعة تجعلنى قريبة من شخص ربما لم أره فى الحياة العادية سوى مرتين، فى هذا الزمن أصبح مطلوبا منى أن أتباعد اجتماعيا عن الناس.
***
فى زمن التباعد الاجتماعى المطلوب هو التقارب الإنسانى، التواصل الشخصى، بعض العواطف ربما؟ التعبير عن الشوق، تضميد بعض الصداقات التى ربما جرحت فى السنوات الأخيرة، بعض التعاطف مع المختلف، بعض التقبل لما يخرج عن المألوف، ربما الاختبار اليوم هو البحث عن صديق فى البحر الافتراضى والعثور على حليف فى تحجيم التباعد وعدم تعميمه.
***
ربما الاختبار هو أن أسأل نفسى بصدق عما أريد فى الحياة، بعد أن أتعدى هذا الوضع الاستثنائى: ما الذى سوف أغيره؟ ما الذى سوف أحتفظ به؟ أظن أننى سوف أمضى وقتا أكثر فى البيت، سوف أحضن أولادى أكثر، خصوصا الصبيين، فأنا تنبهت فجأة أن طولهما بات قريبا من طولى، قد لا يجلسا فى حضنى بعد سنة! سوف أجلس فى غرفة مكتظة بدل أن أجلس وحدى لأعمل، فها أنا ألاحظ أن بإمكانى أن أعمل وأكتب على إيقاع نقر زوجى على الكمبيوتر، طبعا أجادله قليلا وأبدى الملاحظات وأظن أننى أضرب حتى على أعصابه، لكنى سوف أبقى هنا فى الغرفة المزدحمة.
***
يكثر الحديث اليوم حول عدم انفراد أحد بالأزمة العالمية التى نعيشها، أظن أن الدرس الأكبر هو درس فى التقارب الإنسانى، فرغم أن حتى فى المرض مقامات، فترى أن ثمة من سوف يعانى أكثر من غيره بسبب ضعفه فى المقام الأول، إلا أن الجائحة اليوم لا تعترف بالمقامات ولا تميز على أساس العرق والنسب. أوليس ذلك ما دعونا إليه كثيرا؟ عدم التمييز؟ ها نحن أمام ما طالبنا به، إنما ليس كما توقعنا! ليكن الرد إذا على قدر من المسئولية الجماعية التى قد تساهم فى الخلاص الجماعى: هذا هو الاختبار!
***
ربما يجبرنى التباعد الاجتماعى على إعادة النظر فى أهمية التقارب الإنسانى فى وجه مصير جماعى لا يميز بينى وبين غيرى، ربما تصب سنوات من التمييز غضبها على البشرية فتدفعنا باتجاه البساطة من جديد، ألو؟ كيفك؟ شو الأخبار؟ عن جد؟ من إيمتى؟ ليش ما قلتولى؟ لا لا مو مشغولة احكو معى المرة الجاية! خلونى معكم بالجو ما تتركونى لوحدى!.
***
لن أترك من قربى وحدهم، لن أنجو وحدى، لا أريد أن أنجو وحدى ولا أريد أن ينجو الأقوى فقط، أريد أن أعطى بعض ما عندى لغيرى فينجو معى، أريد أن أشاكسه وأغضب منه ثم نتصالح، أو لا نتصالح فذلك لا يهم، أريدنا أن ننجو نحن الاثنين، نحن العشرة، نحن الألف، المليون، المليار. لا أحد اليوم فائض على النجاة، لا أحد فائض على الإنسانية، هذه ليست سفينة نوح، هذا عالم ما بعد الكورونا؛ حيث أجبرنا التباعد الاجتماعى على التقارب الإنسانى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved