البحث عن الماء المخفى

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: الأحد 25 أبريل 2021 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

فى دراستنا لمنطقة ميت رهينة فى الأعوام القليلة الماضية كنا نتساءل عن ماهية مشكلة المياه بها وهل نستطيع أن نحقق استخداما أفضل للمياه المتاحة بما يدعم أى تنمية مستدامة للمنطقة. وفى خلال بحثنا وقعنا على إحدى الدراسات الهامة التى تمت فى جامعة بريطانية بمشاركة باحثة مصرية منذ سنوات قليلة والتى تناولت قضية الماء المخفى أو ما يسمى أحيانا الماء الافتراضى والذى يقصد به كمية المياه التى استخدمت فى ما نستهلكه وخاصة فى المنتجات الزراعية. ويمثل هذا المفهوم الذى اقترحه أحد العلماء النرويجيين فى العام 2004 خطوة مهمة للغاية فى فهم إشكالية الماء. ما تخلص إليه تلك الدراسة البريطانية هو أن كل عائلة مصرية تقريبا (مع مراعاة التفاوت بين الريف والمدينة) تستهلك فى المتوسط ما يقرب من ثمانية أضعاف الماء الذى تستهلكه مباشرة فى صورة منتجات وخاصة تلك المنتجات الزراعية.
وقام طلابى وطالباتى باقتراح بداية للتعامل مع منظومة المياه فى ميت رهينة وخاصة الماء المخفى فى داخل زراعة المحاصيل واتبع الطلبة الحمية الغذائية، التى تم اقتراحها فى تقرير عالمى وهام للغاية، والتى تهدف لتحسين صحة الإنسان وأيضا للحفاظ على الموارد البيئية المحدودة ومن أهمها المياه العذبة. تشمل تلك الحمية على الكثير من الخضراوات والفواكه مقابل القليل من اللحوم. وبيّن الحساب الأولىّ للطلبة أنه عند تغيير التركيب المحصولى المحلى لينتج مكونات تلك الحمية يمكن بالإضافة إلى بعض التقنيات المبتكرة الأخرى تحقيق ما يكفى من طعام محلى وبصورة مستدامة فى سنة 2030. طبعا هذه دراسات أولية وتتناول الدراسة التى أعدها الطلبة جوانب أخرى هامة للتعامل مع منظومة المياه وتشمل التعامل مع مياه الصرف المنزلى بصورة خاصة لتقليل تلوث المياه الجوفية وأيضا لتوفير كمية من المياه تسمح بتغطية احتياجات السكان فى تلك المنطقة. وسنقوم فى هذا العام بمراجعة وتطوير تلك الدراسة والتى يمكن أن توفر نموذجا يمكن الاسترشاد به فى أماكن عديدة بوادى النيل والدلتا. وتنطلق تلك الدراسات من أن التعامل مع منظومة المياه بجوانبها المختلفة سواء المباشرة أو المخفية يمكن لها أن تحسن حياتنا والبيئة العمرانية بصورة كبيرة. وتنطلق تلك الدراسة أيضا من أننا يجب أن نقوم بذلك أساسا بالاعتماد على الموارد والتقنيات المحلية أو تلك العالمية التى يمكن تحويلها إلى محلية.
***
وكنا مع مجموعة أخرى من الطلبة قد قمنا بدراسة سابقة لمنظومة المياه فى القطاع السياحى فى مدينة القصير وجدنا فيها أنه بينما يستهلك السائح أو السائحة يوميا من المياه ما يدخل فى نطاق 300 إلى 500 لتر من المياه مباشرة يتم توفيرها أساسا من خلال محطة صغيرة لتحلية مياه البحر بالإضافة بالطبع للعبوات البلاستيكية للمياه المعدنية للشرب، فإنه يستهلك أيضا ما يقدر بأكثر من ثلاثة آلاف لتر مياه يوميا وقد تصل إلى ستة آلاف لتر أكثرها داخل فى الطعام الذى يستهلكه. وبينما كنا نستهدف دراسة كيفية تحويل تلك المنظومة إلى منظومة مستدامة ظهر لنا بوضوح أنه لا يمكن أن نغفل المياه المستهلكة بصورة غير مباشرة أو ما يمكن تسميتها بالمخفية. ما زاد فى إشكالية المياه فى القصير لعامة الناس أيضا ما عرفناه من خلال مقابلات مع تجار الخضراوات والفاكهة خاصة من أن معظم الخضراوات والفاكهة يأتى من القاهرة وجزء صغير فقط ربما يقارب الربع أو أقل يأتى من مناطق الصعيد الأقرب نسبيا (ما يقارب من مائتى كيلومتر لقنا وما حولها مقارنة بأكثر من ستمائة كيلومتر بالقاهرة)، ولا توجد سوى مزرعة صغيرة تم إنشاؤها بوادى أم قويح وتقع شمال المدينة بحوالى ثلاثين كيلومترا. وبينما نحن ندرس المناطق السياحية فى القصير، بالإضافة للمناطق السكنية الأخرى فى المدينة ظهر الترابط والاعتماد المتبادل وكيف أن حل منظومة المياه بشكل عادل للقطاع السياحى فى المدينة يجب أيضا أن يشمل باقى مناطق المدينة وفى الحقيقة يمكن لباقى المدينة أن تستفيد من الحلول المقترحة لمنظومة المياه فى القطاع السياحى.
معنى ما وجدناه فى دراستنا لميت رهينة جنوب الجيزة وأيضا فى مدينة القصير أننا لو ركزنا فقط على استهلاك الماء المباشر فإننا نتعامل فقط مع حوالى 15% من حجم المياه فقط أو أقل وبالتالى فلن نستطيع حل مشكلة المياه بالصورة التى نتمناها. ولكن كمية المياه الموجودة فى كل منتج تختلف طبقا لاحتياجاته فبينما يستهلك كيلو القمح حتى حصاده حوالى تسعمائة لتر من المياه نجد أن الكيلو من اللحم البقرى مثلا يستهلك ما يقارب خمسة عشر ألف لتر من المياه. وفى العموم تستهلك المنتجات الحيوانية ماء أكثر لكل كيلوجرام بينما تستهلك النباتات ماء أقل كثيرا.
مع تطور الدراسة من سنة لأخرى بدأنا ندرك بصورة أفضل ما يمكن أن يسهم به أيضا عودة وازدهار التنوع الطبيعى للأراضى الزراعية سواء من خلال العمل على الحد من ووقف تدهور التربة الزراعية واسترداد عافيتها واستبدال الأسمدة الصناعية بأخرى طبيعية. وأيضا أدركنا أن ما نتطلع إليه يرتكز أساسا على دعم المزارعين والمزارع الصغيرة لأنها الأكثر إنتاجا ولديها القدرة أن تكون أيضا الأقدر على التقليل من الآثار الضارة على البيئة وهو ما يمكن أن يحسن من دخل المزارعين بدون النظر للحيوانات كمصدر أساسى للدخل. وستسهم تلك «التحولات الزراعية» المطلوبة فى تقليل كمية المياه المستخدمة فى الرى كما نأمل فى أن تعيد التوازن المطلوب بين الأرض الزراعية المنتجة التى سترتفع قيمتها الاقتصادية بصورة تسهم فى الحد من البناء عليها.
***
وضع الماء المخفى فى مكانه الطبيعى فى تناول ودراسة منظومة المياه فى مصر يقودنا لفهم أوسع وأكثر قربا لواقع تلك المنظومة، ولكنه يتطلب من العديد من المختصين والمختصات والباحثين والباحثات الشباب العمل بجدية نحو إيجاد ابتكارات تواجه تلك التحديات الجديدة فى نوعها والتى فى الغالب لن يصلح فى التعامل معها اللجوء للتقنيات التى تم تجربتها فى دول أخرى واستيرادها منهم بدون توطينها بصورة حقيقية. ويتطلب البحث فى هذا المجال تعاونا مكثفا بين علماء البيئة مع علماء الزراعة والمياه مع المختصين والمختصات بالعمران لاقتراح واختبار حلول صغيرة المقياس يمكن تعظيمها فى نطاقات جغرافية مختلفة وإشراك الباحثين الشباب والشابات الصغار هو إحدى الوسائل التى نوجه بها طاقاتهم فى ما هو مطلوب وبتكلفة نستطيع تحملها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved