من أحزان العراق

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 25 مايو 2019 - 10:50 م بتوقيت القاهرة

الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل مثلما السلحفاة، تسير في كل مكان وبيتها فوق ظهرها، حالها كحال العديد من شعوب المنطقة الذين شتتهم الحروب والأنظمة. عندما غادرت بغداد في منتصف تسعينات القرن الماضي، لتستقر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعمل حاليا أستاذة للغة العربية وآدابها في جامعة أوكلاند بميشيجان، لم ترد أن تنظر وراءها، لكن بعد أكثر من عشرين سنة قضتها في الغربة نظرت إلى الوراء وعادت إلى العراق في 27 مايو 2016، من أجل كتابها "في سوق السبايا"، الصادر عن دار المتوسط سنة 2017، والذي سجلت فيه شهادات بعض الناجيات من أيدي داعش. زارت المخيمات حيث يحاولن التعافي والرجوع لحياتهن الطبيعية، رغم أن شيئا فيهن تغير إلى الأبد، وفي معبد لالش دخلت الأماكن التي لا يسمح بدخولها لغير الإزيديين، "من كهف إلى آخر، وكأنك في جفن التاريخ". لم تذهب لزيارة الأحياء بقدر زيارة الأموات، وأرادت أيضا مقابلة بعض هؤلاء الذين تحدثت إليهم طويلا عبر الهاتف لتجمع شهادتهم عن ما حدث لهم منذ أغسطس 2014، عندما سقطوا في أيدي داعش، وعلى رأس من رأتهم كان عبد الله الذي رافقها هاتفيا طوال رحلة البحث والتنقيب في سلسلة جراح عميقة لا تحكى بقدر ما تحس.
توجه له الشكر في مستهل كتابها، بوصفه "بطل من أبطال هذا الزمان"، فبعد أن كان تاجرا بين العراق وسورية مهووسا بتربية النحل، منذ كارثة الدواعش تغير عمله لإنقاذ البنات الإيزديات الأسيرات ممن يدعون القتال من أجل الله والحوريات. كون خلية من السائقين الذين كان يتعامل معهم سابقا في التجارة ومن مهربي السجائر، لتخليص السبايا. وساعد دنيا ميخائيل لتصل للناجيات وتحقق كتابها ليكون شهادة تصرخ بما حدث في وجه العالم.
***
نتابع من خلال الكتاب تحولات العراق وناسه، وهم يقفون مجددا على أعتاب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. لم تكن الشاعرة بحاجة لأن تصنع حبكة درامية لأن ما ترويه وتنقله أغرب من حكايات الجن والخيال، بل يجب ترديده مرارا وتكرارا، لكي نذكر مقولة السكير الساخر التي أوردتها دنيا ميخائيل للدلالة على عبثية الموقف في بلدها: "سابقا كانت الأعمار بيد الله، الآن صارت بيد كل من هب ودب". لخصت الوضع في العراق بالرموز الطائفية التي كان يكتبها الدواعش على البيوت من أجل التفريق بين أصحابها: "نون للنصارى، وياء للإيزيديين، وسين للسنة، وشين للشيعة". وكما تحولت المصائر تحولت الأسماء في تغير دائم لما هو أسوأ: مدينة سنجار التي يعني اسمها "الجهة الجميلة أو شنكال باللغة الكردية، بدت الأرض الخراب بامتياز. على دروبها العتيقة، تناثرت عظام وجماجم وقطع ملابس وأحذية وأوان وقطع سيارات مبعثرة بين أنقاض بيوت ومزارع محترقة، ومحلات مسروقة، ومعابد وكنائس مهدمة (...) الجهة الجميلة صارت الآن تسمى أرض المقابر الجماعية". والشمال الذي كان البغداديون يسمونه "المصيف"، خاصة في الثمانينات عندما كان السفر ممنوعا بسبب الحرب العراقية الإيرانية، صار الناس يقصدونه لزيارة المقابر الجماعية التي يكتشفونها يوما بعد يوم، إذ كان الدواعش يدفنون كبار السن والأجداد أحياءً، فلا فائدة ترجى منهم، يقتلون الرجال أو يضمونهم إلى صفوف القتال، ويسبون النساء ويبيعوهن لزملائهم المجاهدين أو على مواقع الإنترنت، الأسيرة بمائة أو خمسمائة دولار حسب الحالة، وأحيانا يعيروهن لممارسة الجنس مع آخرين "بالإيجار" عندما ينقصهم المال.
نتابع فظائع داعش والاغتصاب الذي تسبقه التكبيرات والأناشيد من عينة "يا الله، قم يا مسلم، في الجنة حورية"، نتعرف على نساء تم بيعهن أكثر من سبع مرات، كان يلبسن الرداء المفروض عليهن من داعش داخل البيوت وفي الطرقات، أما حين يتم عرضهن للبيع على الإنترنت فكان يظهرن بملابس عصرية تبرز جمالهن لجذب المشترين، وقد تركن شعورهن على سجيتها. بعضهن شاهد زوجه وأولاده يقتلون من النافذة، وبعضهن فقد أكثر من ثلاثين فردا من عائلتهن، وبعضهن حاول يقنع أبنائه بالهرب بعد أن تم تدريبهم في ثكنات داعش وتعرضوا لعملية غسيل مخ ممنهجة وشريرة. لا يأكلن غالبا سوى الأرز والعظام، ويطبخن المواد الكيمائية لصناعة حوالي 15 صاروخا يوميا "نغليها على الفرن (...) مسحوق السكر الناعم ومواد كيماوية" يأتون بها من الحدود التركية. المجاهدون يكونون غالبا من الأجانب، يتحدثون إليهم بالعربية الفصحى وفيما بينهم تبعا لجنسياتهم، بعضهم بالروسية أو الإنجليزية مثلما الأمير أبو عبد الله، الأمريكي الأصل، الذي ترك عائلته وبيته ليقاتل في العراق. والمناصرون هم من انضموا إلى داعش من السكان الأصليين للبلاد، بهدف الجهاد. فجأة تكتشف السيدة أن جارها الذي كان يشاركها السكن أصبح من الدواعش... ولكن في كثير من الأحيان كانت العشرة والمشاعر الإنسانية تغلب عليهم ويحاولون مساعدة الإيزيديات.
***
ونحن نتنقل من مكان إلى آخر، نغوص أيضا في أصول التسميات وتاريخ العراق: كامب نوروز في ديركية حمكو، في سورية، حيث يقيم مئات النازحين "هو مكان تاريخي يعود إلى 1300 سنة، كان اسمه في البداية دير حمو، وهي تسمية مسيحية، وعندما جاء الأكراد غيروه إلى اسم كردي، فصار ديريكة حمكو، وعندما جاء العرب غيروه إلى اسم عربي، فصار اسمه قحطانية. ذلك يشبه إلى حد بعيد منطقة كوباني (...) منطقة استراتيجية في خطط الهروب (...) كانت موقعا لشركة ألمانية، تعهدت بتنفيذ سكة حديد بين اسطنبول وبغداد عبر شمال سورية، وكان السكان يسمعون من العاملين في الشركة كلمة كومباني (أي شركة بالإنجليزية) فتداولوا تلك الكلمة... وتغير الاسم إلى كوباني".
حكايات العراق ودنيا ميخائيل لا تنتهي، تمزجها الشاعرة بكثير من الرقة بملامح حياتها الشخصية وحكايات جدتها التي كانت ترويها لها وهم ينامون على سطح المنزل، كما كان يفعل العراقيون في السابق، قبل الحروب المتتالية. يرتفع صوت القصيدة: "قلنا ليس هناك أسوأ ليأتي. والآن جاء البرابرة. كسروا قبر جدتي: لوحي الطيني، هشموا الثيران المجنحة (...) يدي على الخريطة كأنما على أثر جرح قديم". كانت تصنف الشاعرة وكل من بدأ الكتابة في فترة الثمانينات، خلال الحرب العراقية الإيرانية، على أنها تنتمي لجيل الحرب، وفي التسعينات شهدت المنطقة حرب الخليج الثانية فسمي الجيل التالي أيضا "جيل الحرب"، ثم كان الغزو الأمريكي فاستمرت تسمية "جيل الحرب" على من بعدهم، ولا نعرف متى سيأتي جيل "ما بعد الحرب".
***
تختلط الأحداث والتفاصيل، الحرب تأتي بأسماء مختلفة لكن بوجه واحد. ويترك الموتى "أركيولوجيا شخصية، بها ثمة تاريخ، استدعاء لغياب"، كما تقول الشاعرة التي كتبت أولى قصائدها في سفينة على نهر دجلة وصنع منها ابن عمها زورقا ورقيا، رماه في النهر. ابتعدت هي عن البلاد وخرجت منها بحقيبتها، في حين هذه الأيام يخرج الناس بلا حقائب. وتظل أبياتها تتردد، وهي تبتعد في النهر: "الموتى يتصرفون كالقمر: يتركون الأرض وراءهم ويمضون".

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved