المقاومة لا يمكن اختزالها فى حماس
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
الثلاثاء 25 مايو 2021 - 8:05 م
بتوقيت القاهرة
بعض العرب يخطئ خطأ فادحا حينما يختزلون المقاومة الفلسطينية فى حركة حماس، ويسبون ويشتمون ويهيلون التراب على المقاومة بصفة عامة، وهم لا يدركون أنهم يقدمون أفضل خدمة مجانية للاحتلال الإسرائيلى.
من حق كل المعارضين لحماس ــ وأنا أحدهم ــ أن يختلف معها، ومع معظم سياساتها، وأن يرى أنها نفذت كل ما تريده إسرائيل وأكثر، بحسن أو سوء نية.
من حق هؤلاء أن يرى أن حماس تنفذ فى كثير من الأحيان أجندات خارجية، وليست وطنية، لكن الاختلاف مع حماس لا يعنى بأى حال من الأحوال أن نلوم ونلعن ونسب كل المقاومة الفلسطينية ونكفر بفكرة المقاومة نفسها.
مرة أخرى المقاومة ليست فقط حماس، ولكنها أطياف واسعة تشمل معظم الشعب الفلسطينى وليست فقط الفصائل المسلحة، وأبسط دليل على ذلك أن المقاومة فى العدوان الأخير بدأت من أصحاب بيوت حى الشيخ جراح فى القدس، الذين رفضوا إخلاءها، وتحصنوا بها، وظنى أن هذا من أعلى درجات المقاومة.
المواطنون العاديون الذين يتحملون الحياة الصعبة فى كل لحظة مقاومون، والذين يرفضون أن يعترفوا بشرعية الاحتلال مقاومون، والذين يصرون على زراعة الزيتون فى الضفة مقاومون، والمدرسون الذين يزرعون الانتماء فى عقول وقلوب الصغار مقاومون، والذين يشاركون فى مظاهرات رفض الاحتلال مقاومون، والذين يقاومون المحتل بكل الوسائل التى يكفلها القانون الدولى مقاومون، خصوصا الذين يرفضون أن ينكسروا أمام جنود الاحتلال أو قطعان المستوطنين.
الفلسطينيون الذين رفضوا بيع بيوتهم أو مغادرتها، منذ سنوات طويلة وآخرهم أهالى الشيخ جراح وسلوان، مقامون من طراز رفيع، هؤلاء لا يحملون سلاحا، لكنهم يقاومون الاحتلال بطريقة فريدة. الفلسطينيات اللائى يقمن بتربية أولادهن حتى بعد استشهاد الأزواج أو الأشقاء مقاومات من طراز فريد.
الفلسطينيون الذين يبنون ويعمرون ويزرعون ويحصدون ويتعلمون ويتزوجون ويتكاثرون، مقاومون لأنهم يثبتون للعدو وللعالم أجمع، أن هناك شعبا فلسطينيا فى هذه الأرض المقدسة يتمسك ببلده.
الفلسطينيون الذين يذهبون للصلاة فى المسجد الأقصى، أو إلى كنيسة القيامة وسائر دور العبادة، مقاومون، حتى ولو اكتفوا فقط بمجرد الدعاء لنصرة مسجدهم أو كنيستهم.
ثم إنه بجانب كل هؤلاء هناك العديد من منظمات المقاومة المسلحة بخلاف كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس.
هناك سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامى، وألوية الناصر صلاح الدين، الجناح العسكرى للجان المقاومة الشعبية، وكتائب أبوعلى مصطفى التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكتائب المقاومة الوطنية وهى الجناح العسكرى للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. ثم لا ننسى الدور البطولى لكتائب شهداء الأقصى التى لعبت دورا خارقا خصوصا فى الانتفاضة الثانية لكنها توقفت رسميا عام ٢٠٠٧، لأنها محسوبة على السلطة الفلسطينية. ولا ننسى الدور الوطنى البطولى لمقاومى منظمة التحرير الفلسطينية التى حملت قيادة المقاومة منذ تشكلها عام ١٩٦٤ وحتى توقيع اتفاق أوسلو ١٩٩٣. لا أتحدث عن رموز مقاومة وطنية فلسطينية، وما أكثرهم منذ النكبة عام ١٩٤٨، وحتى الذين يتصدون للعدوان الإسرائيلى هذه الأيام، ولكن أركز أساسا على دور الناس العاديين، وهم مجمل الشعب الفلسطينى فى عملية مقاومة المحتل.
الذين يختلفون مع المقاومة ويسفهون من دورها نكاية فقط فى حركة حماس، ينسون أن المحتل الصهيونى يقتل كل من يقاومه حتى لو كان متظاهرا سلميا عاديا، أو طفلا مثل محمد الدرة، أو أولئك الذين سقطوا فى تدمير أبراج غزة فى العدوان الأخير. الاحتلال يقتل جميع الفلسطينيين، وليس فقط مقاومى حماس. هو قام بتسميم الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات فى مقر المقاطعة برام الله لأنه رفض تنفيذ مخططاتهم. الاحتلال قتل قبل ذلك العديد من قادة منظمة التحرير خصوصا فى بيروت وتونس وسفراء ودبلوماسيين ومقاومين ورموز فلسطينية كثيرة فى عواصم دولية مختلفة.
اختلفوا مع حماس كما تشاءون، هى ارتكبت أخطاء قاتلة كثيرة، لكنها حينما تقاتل المحتل الغاصب، فعلينا ــ على الأقل ــ أن نؤجل الخلاف معها قليلا، خصوصا، أن القتال فرض على كل الفلسطينيين فى العدوان الأخير، ولم يسعوا إليه، حينما حاول المحتل سرقة منازلهم فى القدس واقتحام وتدنيس الأقصى.
اختزال فكرة المقاومة فى حركة حماس فقط، هو إهانة لجميع المقاومين من كل الفئات والفصائل، والتقليل من شأنهم ودورهم.
تحية لكل المقاومين خصوصا الناس العاديين الذين نالوا احترام العالم خلال تصديهم للعدوان الإسرائيلى الأخير.