الحروب دون نهاية حاسمة (٢) إيران.. إدارة التصعيد لانتصار كامل
نبيل فهمي
آخر تحديث:
الإثنين 25 مايو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
فى المقالة الأولى من هذه السلسلة، كان التركيز على الحرب فى أوكرانيا بوصفها نموذجا لحربٍ عجزت فيها القوة العسكرية عن إنتاج حسم سياسى واضح، رغم ضخامة التكلفة البشرية والعسكرية والاقتصادية.
وعلى الرغم من اختلاف الطبيعة الجيوسياسية والعسكرية للحرب مع ايران، فإن الأمر يعكس المعضلة نفسها: فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، وتراجع تدريجى لفكرة «النصر والحسم» لصالح إدارة الصراع واحتواء مخاطرها.
وبحلول مايو 2026، أدت المواجهات العسكرية المرتبطة بإيران - سواء عبر استهداف البنية التحتية النووية والعسكرية، أو من خلال حروب الوكلاء، أو تبادل الصواريخ والطائرات المسيّرة - إلى إضعاف بعض القدرات الإيرانية، لكنها لم تُنهِ التحدى الاستراتيجى الذى تمثله طهران. فقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع إيران من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، وتقليص نفوذها الإقليمى، وفرض مستوى أعلى من الردع يمنع التصعيد المستقبلى. وفى المقابل، تعرضت إيران لخسائر بشرية ومادية كبيرة، وتراجعت قدرات شبكاتها الإقليمية، كما تضررت أجزاء من بنيتها العسكرية والنووية، ومن ثم هناك تكلفة ضخمة على الكل وإنما لم يفز أحد.
فإيران لم تُهزم أو تُخضع سياسيا، لكنها أيضا لم تتمكن من فرض أو الاحتفاظ بمعادلة ردع مستقرة أو توسيع نفوذها الإقليمى كما كانت تطمح. بل ربما كانت خسارتها السياسية الأهم هى تراجع مسار التهدئة الذى بدأ سابقا مع عدد من الدول العربية الخليجية، وعودة الشكوك الإقليمية حول سلوكها الاستراتيجى، فضلا عن انكماشها الإقليمى.
وهنا تبرز المفارقة نفسها التى ظهرت فى أوكرانيا: فالنجاحات التكتيكية لا تتحول بالضرورة إلى نتائج سياسية مستدامة. والضربات العسكرية قد تؤخر برنامجا نوويا أو تدمر بنية تحتية أو ترسل رسائل ردع قوية، لكنها لا تنتج تلقائيا نظاما إقليميا مستقرا. وإيران بعد إضعافها ما زالت تمتلك أدوات تأثير، وقدرة على التكيف مع العقوبات والضغوط. وبالتالى، فإن الاعتقاد بإمكانية «حل المشكلة الإيرانية» وتغيير النظام عسكريا يبدو أقرب إلى الوهم منه إلى الاستراتيجية الواقعية.
ومن هنا، فإن المسار الأقرب والأكثر واقعية لا يتمثل فى البحث عن اتفاق شامل وكبير، بل فى بناء عملية تدريجية لخفض التصعيد وإدارة المخاطر. لمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع.
ويمكن أن تبدأ بوضع سقوف واضحة لمستويات تخصيب إيران لليورانيوم، مع تعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتوسيع آليات التفتيش والتحقق. وأن تشمل تفاهمات متبادلة بعدم الاعتداء- وهناك اخبار عن اقتراح من المملكة السعودية فى هذا الخصوص، مع الوقف الكامل والحاسم من جانب إيران لاستهداف النووية والمدنية غير المسئولة والمجرمة دوليا وتأمين الملاحة المدنية أو المنشآت النفطية إلى جانب إنشاء قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة لمنع سوء التقدير أثناء الأزمات.
كذلك، فإن تخفيف العقوبات بصورة تدريجية وقابلة للعكس، وربطها بآليات امتثال واضحة، قد يوفر حافزا عمليا أكثر من سياسات الضغط المفتوح دون أفق سياسى. وفى مثل هذه البيئات المتوترة، تصبح الإجراءات الإنسانية وتبادل السجناء أدوات سياسية مهمة، ليس لأنها تحل جذور الأزمة، بل لأنها تساعد على منع الانهيار الكامل لقنوات التواصل.
ويبقى البعد الإقليمى عنصرا حاسما فى أى مقاربة واقعية. فدول الخليج العربية تعرضت لاعتداءات إيرانية إجرامية وتمتلك مصالح مباشرة فى منع التصعيد، سواء لحماية أمنها الداخلى أو للحفاظ على استقرار أسواق الطاقة ومسارات التنمية الاقتصادية. وقد نوه الرئيس ترامب أخيرا بأنه أجل ضربة جديدة لإيران بناء على طلب عدد من الدول العربية والخليجية، نشرت أخبارا عن حديث تليفونى حاد بين الرئيس الأمريكى ورئيس وزراء إسرائيل لتمسك الأخير بخط التصعيد العسكرى المستمر.
أما تركيا والعراق، فهما يديران توازنات معقدة مع كل من إيران والغرب، ما يجعلهما جزءا من أى معادلة إقليمية مستقبلية. ولهذا، فإن أى مسار جاد لخفض التصعيد لا يمكن أن يبقى محصورا فى القناة الأمريكية - الإيرانية فقط، بل يحتاج إلى مظلة إقليمية أوسع.
وفى هذا السياق، أصبح الدور العربى والخليجى أكثر أهمية مما يبدو ظاهريا. لأنها تستطيع تسهيل تفاهمات تقنية محدودة تسمح بخفض التوتر دون أن يضطر أى طرف إلى تقديم تنازل سياسى علنى كبير. كما أن الاتفاقات الجزئية المتعلقة بالأمن البحرى أو قواعد الاشتباك فى ساحات مثل اليمن ولبنان والعراق قد تحقق نتائج عملية ملموسة وتمنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
لكن حتى أكثر الترتيبات التقنية دقة ستظل مرتبطة بعامل غالبا ما يُستهان به: السياسة الداخلية. فالقادة الإيرانيون يحتاجون إلى تقديم أى تفاهم باعتباره حفاظا على الكرامة الوطنية وصمودا استراتيجيا، لا استسلاما للضغوط. وفى المقابل، لا تستطيع الإدارات الأمريكية الظهور بمظهر التراخى رئيسيا للتهديد. أما الدول العربية، وهى بحاجة إلى ترتيبات تعزز أمنها دون أن تبدو وكأنها تمنح إيران نفوذا إضافيا.
وهنا تحديدا تظهر أهمية الاتفاقات التدريجية المحدودة، لأنها تمنح جميع الأطراف مساحة سياسية للمناورة الداخلية. الدبلوماسية هى تفاوضا بين الدول، والتى لا تستطيع إغفال الروايات الوطنية المتنافسة، وتردد فى الساعات الأخيرة أخبار عن احتمال توصل إيران والولايات المتحدة إلى إعلان مبادئ لوقف الحرب وإعطاء مهلة من الوقت للتوصل إلى اتفاق تفصيلى كامل.
والتشابه مع أوكرانيا يبقى واضحا. ففى الحالتين، أدى الإفراط فى الاعتماد على القوة العسكرية إلى تعميق الهويات السياسية وتصلب المواقف بدلا من فرض تسويات نهائية. كما كشفت الأزمتان حدود القدرة العسكرية فى تحويل الإنجازات الميدانية إلى قبول سياسى طويل الأمد.
وفى الحالة الإيرانية، فقد يعنى ذلك تفاهمات نووية وإقليمية محدودة تخفض المخاطر الفورية، مع بقاء التنافس الاستراتيجى قائما، ومن الأهمية بمكان فى الحالتين ربط تلك الخطوات والبناء عليها إقليميا ودوليا لتجنب تكرار المعارك ومواصلة الطريق نحو حلول شاملة للمشكلات حتى اذا استغرق ذالك وقتا.
وقد لا يرضى هذا الواقع أصحاب الرؤى القصوى أو دعاة الحسم الكامل، لكنه ينسجم مع طبيعة الحروب الحديثة، التى تنتهى غالبا بتسويات ناقصة لأن البدائل أكثر خطورة. فوقف إطلاق النار ليس سلاما، والاتفاق المحدود ليس مصالحة، لكنهما قد يكونان الوسيلة الوحيدة لمنع الانزلاق إلى فوضى أوسع.
وفى النهاية، تكشف الحربان فى أوكرانيا وإيران حقيقة أساسية فى النظام الدولى المعاصر: إنهاء الحروب لم يعد لحظة درامية فاصلة، بل عملية طويلة تقوم على رفع كلفة الاستمرار فى القتال، وبناء مسارات تدريجية لضبط النفس والتعايش مع الخلافات. وربما يكون هذا النهج البطىء وغير المثالى هو الخيار الواقعى الوحيد المتاح للعالم فى هذه المرحلة المضطربة.
نقلا عن إندبندنت عربية