كلب عضنى.. المسكوت عنه فى أزمة كلاب الشوارع
صفاء عصام الدين
آخر تحديث:
الإثنين 25 مايو 2026 - 7:15 م
بتوقيت القاهرة
«ماما.. كلب عضنى وبنزف فى الشارع!» تلقيت هذه الصدمة قبل عامين خلال اتصال من ابنى، وهو ذاته الطفل الذى طالما تعاطف مع كلاب الشوارع وحرص على إطعامها. لم يخطر ببالى أن هدوءه ومحبته لن يمنعا وقوعه ضحية لهجوم مباغت؛ حين خرج كلب ضال من تحت سيارة واقتنص ذراعه دون سابق إنذار، تاركًا فيها ندوبًا وأثرًا لا يُمحى.
دفعنى الحادث للبحث عن حل نهائى لهذا الكلب؛ لتفادى تكرار المأساة مع طفل آخر، وبمساعدة النائب أحمد السجينى، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب سابقًا، تمكنتُ من اختراق البيروقراطية والوصول إلى المسئولين فى وزارة الزراعة والطب البيطرى. كانت الرحلة رحلة استكشاف لواقع مرير ومنظومة محلية مترهلة، تعانى نقص المخصصات وغياب التنسيق الشامل.
أفتح معكم هذا الملف اليوم لتفكيك هذا الملف المعقد، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من تغير سلوك الكلاب وانتشارها، والوقوع فى فخ الاستقطاب الحاد بين جبهة تطالب بالقتل الجماعى، وأخرى تدافع بلا قيود، فربما يكون كسر هذه الثنائية العاطفية، والعبور نحو خطط مؤسسية، هو ما يحمينا من حالة الصراع التى بدأت تتحول إلى عنف مباشر بين الطرفين.
أكذوبة الهجوم بسبب السعار
فى رحلة البحث عن الكلب الذى عقر ابنى، تواصلت مع المسئولين المحليين بالمحافظة فى مديرية الزراعة وقطاع الطب البيطرى، وكان مطلبى محددًا وحاسمًا: "الكلب معروف وشكله مميز، لا تبدو عليه أى علامات مرضية، وثبت أنه عقر آخرين؛ لذا يجب التخلص منه لحماية أهالى المنطقة».
جاءنى الرد الصادم من المسئولين ليكشف عن حجم العجز، إذ أفادوا بأن الطب البيطرى لا يملك الإمكانيات المؤهلة للتعامل مع مثل هذه الحالات، كما لا يمكن التخلص من الكلب بالقتل؛ لأن ذلك يسىء إلى موقف مصر فى المجتمع الدولى، واكتفت المسئولة حينها بإحالة الملف برمته إلىّ، والاكتفاء بتزويدى برقم ناشطة فى مجال الرفق بالحيوان تقطن فى محيط سكننا، قائلة: «نشطاء المجتمع المدنى هم من يمكنهم المساعدة».
من خلال واجهة المجتمع المدنى، بدأت تتكشف لى الحقائق الغائبة عن الوعى العام؛ إذ أوضحت لى الطبيبة الناشطة فى مجال الرفق بالحيوان أن السلوك العدوانى لدى بعض الكلاب لا يرتبط بالضرورة بالإصابة بمرض السعار، كما أنه لا ينتج فقط عن التعرض للعنف أو سوء المعاملة فى البيئة المحيطة، بل هو نتاج تداخل عوامل بيولوجية وسلوكية وبيئية معقدة.
وبالفعل، تشير الدراسات العلمية إلى أن التغيرات الهرمونية والعصبية، والجوع المزمن، والتنافس الشرس خلال فترات التزاوج، وغريزة الدفاع عن الحيز الجغرافى، فضلًا عن مشاعر التوتر والخوف والألم؛ كلها عوامل ترفع من وتيرة الشراسة والعدوانية لدى الحيوان.
بناءً على هذا التشخيص، لم يكن الحل فى القتل، بل فى تطبيق استراتيجية علمية؛ حيث تضافرت الجهود الطوعية وقتها لتعقيم الكلب الذى عقر ابنى وتطعيم بقية كلاب الشارع. بلغت تكلفة جراحة التعقيم للكلب الذكر حينها نحو ألف جنيه، فيما لم تتجاوز كلفة تطعيم الكلب الواحد 20 جنيهًا.
البحث عن حل جذرى
لم يكن هدفى مجرد التعامل مع حالة فردية أو كلب بعينه اعتاد عقر سكان المنطقة، بل شغلنى البحث عن حل عام وجذرى للمشكلة برمتها. اقترحت علىّ الطبيبة التنسيق مع الجيران لجمع مبالغ مالية تكفى لتعقيم كلاب الشارع الذى نقطن فيه كخطوة أولى، لكن المفاجأة كانت فى ردود الفعل الكاشفة؛ فغالبية الجيران المنزعجين من كثرة الكلاب، أو أولئك الذين يعانون من «فوبيا» تجاهها، لم يتفاعلوا مع المقترح بأى شكل من الأشكال.
أما الجارة التى تواظب على إطعام كلاب الشارع وتحضير وجبات خاصة لها، فلم تستوعب جوهر المقترح من الأساس، وحاولت طمأنتى ببراءة قائلة إنها تقدم لهم طعامًا «مطهيًا لا نيئًا»، وبالتالى لا داعى للخوف من الأمراض!
تزامن ذلك مع مرور أكثر من عام على صدور قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، الذى تنص المادة (23) منه على أن تتخذ السلطة المختصة -فى حدود إمكانيات الدولة المتاحة وبالتنسيق مع الجهات المعنية- التدابير والإجراءات اللازمة لمجابهة الحيوانات الضالة أو المتروكة التى تشكل خطرًا على الإنسان أو الحيوان، مع مراعاة معايير وتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية.
غير أن هذا القانون ظل حبرًا على ورق لعامين كاملين، حتى صدور لائحته التنفيذية فى أبريل 2025، التى نصت على تشكيل لجنة فنية مركزية مشتركة لوضع إطار وطنى شامل لمجابهة الحيوانات الضالة وتحديثه دوريًا بالتعاون مع المجتمع المدنى والشركات المتخصصة.
وفى سبتمبر الماضى، أصدر وزير الزراعة قرارًا بتشكيل هذه اللجنة برئاسة رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، وعضوية ممثلين عن وزارات: الدفاع، والداخلية، والصحة، والبيئة، والتنمية المحلية، والإسكان.
ورغم أنه جرت، بالتزامن مع تشكيل اللجنة، حملات تعقيم محدودة للكلاب الضالة فى القاهرة والجيزة، إلا أن الجهات المختصة لم تعلن حتى الآن عن أى أرقام رسمية بشأن أعداد الكلاب التى جرى تعقيمها، ولم تُجرِ قياسًا لأثر هذه الحملات على انخفاض حالات العقر، فضلًا عن عدم الإعلان عن خطة زمنية واضحة للتوسع فى برامج التعقيم والتطعيم والإيواء، بما يسمح بتقييم تلك الإجراءات وتتبع نتائجها فى تحقيق التوازن بين حماية البشر والرفق بالحيوان.
الرقابة من أجل شارع آمن
إن الخروج من هذه الأزمة التى تتعقد مجتمعيًا يومًا بعد يوم لن يتحقق بقرارات وزارية فوقية تظل حبيسة الأدراج، بل يتطلب بالضرورة فرض رقابة حاسمة على المحليات المنوط بها وضع خطط ميدانية تناسب طبيعة كل حى لمواجهة مشكلاته، بدلًا من الاكتفاء بخطط عامة تصوغها لجان مركزية. فيجب على كل محافظة أن يكون لديها خريطة تفصيلية واضحة بأماكن انتشار الكلاب، وخطط زمنية وآليات معتمدة للتعقيم والتطعيم، وميزانيات محددة وشفافة تخضع للمحاسبة.
ولحين استعادة دور المجالس الشعبية المحلية الغائبة كأداة رقابية أصيلة على المحليات، يصبح لزامًا على أعضاء مجلس النواب تفعيل أدواتهم الرقابية بصرامة فى هذا الملف، والتوجه بالأسئلة البرلمانية، وطلبات الإحاطة، والمقترحات برغبة إلى الحكومة؛ لمساءلتها عن مدى تفعيل دور اللجنة المركزية فى المحافظات، ومطالبتها بإعلان خطط عمل واضحة ومجدولة وشفافة.
إن التقاعس عن حسم هذا الملف يعنى ترك الشارع للصراع، وتحويل أزمة بيئية وصحية إلى عنف مجتمعى، فى ظل استمرار الاستقطاب الحاد بين محبى الحيوانات بإفراط والداعين إلى إبادتها.
كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى