هل يصنع الذكاء الاصطناعى لحظة «كوداك» جديدة؟

قضايا تكنولوجية
قضايا تكنولوجية

آخر تحديث: الإثنين 25 مايو 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

لا يتذكّر التاريخ شركة «كوداك» Kodak لأنها فشلت فى الابتكار، بل لأنها أخفقت فى إدراك السرعة التى كان العالم يتغيّر فيها. واليوم، يبدو أن التعليم مهدّد بارتكاب الخطأ نفسه.


فالذكاء الاصطناعى لم يعد مجرّد تطور تقنى عابر، بل أصبح قوة تعيد تشكيل معنى المعرفة والعمل والتعلّم، بل وحتى مفهوم القيمة الإنسانية ذاته. ومع ذلك، لا تزال جامعات كثيرة حول العالم، ومنها فى لبنان، تعتمد نماذج تعليمية تعود إلى قرن مضى: امتحانات قائمة على الحفظ، وتعليم تلقينى، وتخصصات جامدة، وأنظمة تكافئ التكرار أكثر مما تكافئ التفكير.


الخطر اليوم لم يعد يكمن فى التطور التكنولوجى بحد ذاته، بل فى «اللاجدوى التعليمية».


فبحسب المنتدى الاقتصادى العالمى، من المتوقع أن تتغيّر قرابة 40 فى المائة من المهارات المطلوبة فى سوق العمل خلال السنوات المقبلة، فيما سيحتاج معظم العاملين إلى إعادة تأهيل مهنى مستمرة. وفى المقابل، باتت المؤسسات وأرباب العمل يركّزون بشكل متزايد على التفكير التحليلى، والإبداع، والمرونة، والقدرة على التكيّف، ومهارات الذكاء الاصطناعى، بدلًا من المهارات الروتينية القابلة للأتمتة.


اليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعى كتابة المقالات، وتلخيص الأبحاث، وتحليل البيانات، والمساعدة فى البرمجة، وإعداد العروض التقديمية خلال ثوانٍ معدودة. ومع ذلك، لا تزال جامعات كثيرة تقيس تعلّم الطلاب من خلال مهام صُمّمت لعصر كانت فيه المعرفة نادرة، لا لعالم أصبحت فيه المعلومات متاحة بلا حدود.


وقد بدأ خريجو عام 2026 يكتشفون بالفعل أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد تضمن الأمان المهنى، فى ظل اقتصادات يعيد الذكاء الاصطناعى تشكيلها بوتيرة متسارعة.


ومع بداية ثلاثينيات هذا القرن، قد تجد الجامعات نفسها لا تنافس جامعات أخرى فحسب، بل أيضًا منصات تعليم مدعومة بالذكاء الاصطناعى، وأنظمة تعليم تكيفية، وشهادات مصغّرة، وبرامج اعتماد مهنى تتطور بوتيرة أسرع من المناهج التقليدية.


أما الأطفال الذين وُلدوا عام 2026، فقد يدخلون سوق العمل قرابة عام 2048 فى عالم يضم مهنًا لم تُخلق بعد، ويعملون يوميًا إلى جانب أنظمة ذكية، ضمن اقتصادات تقوم على التغيير المستمر لا على الاستقرار.


ورغم ذلك، لا يزال التحوّل التعليمى يسير ببطء مقلق.


فكثير من المؤسسات تخلط بين الرقمنة والابتكار. فرفع المحاضرات إلكترونيًا أو شراء برامج حديثة لا يعنى تحولًا تعليميًا حقيقيًا. فالتحوّل الحقيقى يبدأ عندما نعيد تصميم طريقة تفكير الطلاب، وقدرتهم على حل المشكلات، والتعاون، والتواصل، والتكيّف مع عالم غير قابل للتوقع.


الأزمة الحقيقية لم تعد تكمن فى استخدام الطلاب الذكاء الاصطناعى، بل فى استمرار بعض المؤسسات التعليمية فى إعدادهم لوظائف وقطاعات وواقع قد لا يكون موجودًا عند تخرجهم.
ولبنان لا يملك ترف تجاهل هذا التحوّل.


ففى بلد يعانى الانهيار الاقتصادى، وهجرة الكفاءات، وهشاشة المؤسسات، واتساع الفجوة الاجتماعية، قد تتحول «اللاجدوى التعليمية» إلى خطر يفوق الأزمة المالية نفسها. فلا يمكن لأى دولة أن تعيد بناء مستقبلها، وهى تهيّئ أبناءها لعالم الأمس.


لذلك، لم يعد التعليم اللبنانى يحتمل إصلاحات شكلية. نحن بحاجة إلى تحوّل بنيوى حقيقى: تقييم يقيس التفكير لا الحفظ، ودمج مهارات الذكاء الاصطناعى فى مختلف التخصصات، وتدريب مستمر للأساتذة، وتعزيز التعليم البينى، وبناء شراكات أقوى بين الجامعات وقطاعات العمل المستقبلية، والاستثمار فى البحث والابتكار، مع التركيز على المهارات الإنسانية العميقة التى لا تزال الآلة عاجزة عن استنساخها، مثل الحكم الأخلاقى، والإبداع، والقيادة، والذكاء العاطفى، والمرونة، وحل المشكلات المعقدة.


فالتاريخ نادرًا ما يُسقط المؤسسات لأنها تفتقر إلى الذكاء، بل لأنها تستخف بسرعة التغيير.


لقد رأت «كوداك» المستقبل، لكنها تمسّكت بالماضى.


أما التعليم، فلا يزال أمامه الوقت ليختار طريقًا مختلفًا.


أنور كوثرانى
جريدة النهار العربى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved