بن صالح مرّ بالهوى السينمائى فى عبوره من الدبلوماسية إلى الرئاسة (٢ من ٢)

إبراهيم العريس
إبراهيم العريس

آخر تحديث: الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

ما يزيد على ثلث قرن كان قد مرّ على آخر لقاءات جمعتنا فى بيروت بداية السبعينيات مع الدبلوماسى الجزائرى فى ذلك الحين، عبد القادر بن صالح، قبل أن أعود وألتقيه هاتفيا فيما كنت فى العام ٢٠١٥ فى مهرجان الفيلم العربى فى وهران بوصفى رئيسا للجنة التحكيم.

وكان لقاءً غير متوقع مع ذلك الصديق القديم الذى كان نوعا من الرابط الروحى، وعن طريق الحب المشترك للسينما، قد جمعنا فى بيروت التنوير والثقافة كما حكيت فى الأسبوع الفائت. فكثيرا ما كان ينقل لى أصدقاء مشتركون تحيات الدبلوماسى وقد بات خلال العقود الأخيرة من حياته رئيسا شبه دائم لمجلس الشعب. وكنت أنا أرسل إليه تحياتى من بعيد ولا أتوقف عن التساؤل حول ما إذا كان لا يزال مهتما بالسينما.


فى وهران فى تلك المناسبة، وفى خضم مشكلة كادت تودى بى، جاءنى الجواب وبشكل غريب. فالواقع أننى وبصفتى رئيسا للجنة التحكيم ذهلت حين وصلت إلى الحفل الافتتاحى إذ وجدت مقاعدنا، لجان التحكيم المتنوعة وأنا، وقد احتلها مَن سأعرف لاحقا أنهم رجال الأمن فى المدينة وعائلاتهم، فيما رُميت اليافطات الصغيرة التى تحمل أسماءنا على الأرض تتمزق تحت خطوات العابرين.


جنّ جنونى ورفضت أن أجلس، وأن يجلس رفاقى فى أى مكان آخر سوى تلك المقاعد المخصصة لنا أصلا. حاول المسئولون الحكوميون والسينمائيون تهدئتى لافتين نظرى إلى «خطورة» موقفى وتصرفاتى. ففى ذلك الحين كان الأمن وبشتى مستوياته يهيمن على كل شىء ولا يجرؤ أحد على مساءلته. لكنى رفضت هذا المنطق، وبقيت مصرا على رفضه طوال ساعة وربع الساعة وقد قررت: إما أن نجلس فى مقاعدنا الأصلية، وإلا فإلى المطار فورا. وكانت تلك هى الجملة الوحيدة التى رحت أرددها دون هوادة، وقد جلس وراء المسرح مَن جلس متضامنا معى من أعضاء لجان التحكيم، بمن فيهم رفاق جزائريون راح بعضهم يشير إلىّ خفية بمحبته لما أصرّ عليه. لكنى أصررت وقد اعتبرت الأمر نوعا من الحرص على كرامتى الشخصية.


طوال ساعة وربع الساعة لم يبقَ أحد إلا وحاول معى، ولكن ما بدا لى أسوأ من ذلك كله هو أن ما من أحد حاول مع الأمنيين. وهذا ما زاد من عنادى. غير أن ما حسم الأمر بالنسبة إلىّ، ودون أن يتنبه أحد إلى ذلك، كان شيئا آخر تماما.


ففيما أنا جالس أرتجف غضبا ورعبا مما يحدث، تقدم منى شخص لا أعرفه مادًا يده بهاتف نقال وهو يقول لى: «تلفون لك سى إبراهيم، من السيد عبدالقادر». كدت أرده بغضب كما رددت غيره من المتدخلين، ومن بينهم وزير الثقافة الصديق ميهوبى، ووالى المدينة، وحتى مدير التلفزة الذى أفهمنى أن الجزائر بأسرها تراقب على الهواء مباشرة ما حدث إذ تأخر بدء حفل الافتتاح أكثر من ساعة حتى الآن. كدت أرد حامل التلفون، لولا أنى لمحت فى نظرته تشجيعا وتوسلا، ومن دون أن أعرف مع أى «سى عبدالقادر» أتكلم، فنصف الجزائريين اسمهم سى عبدالقادر، فأمسكت الهاتف لأسمع على الفور صوت صديقى القديم، رفيق العشيات السينمائية فى بيروت ورئيس المجلس التشريعى الآن، يضحك ضحكته التى أعرفها وكنت أسميها «أجمل ضحكة جزائرية»، يقول لى صارخا: «ألا زلت تحب إثارة المشاكل أيها السينيفيلى الحقيقى؟». فوجئت لكنى وخلال ثوانٍ سألت نفسى: ما العمل إذا طلب منى أن ألين موقفى وأستجيب للتدخلات وأترك الأمور تسير وفق المنطق الذى يجعل من الأمن سيد المكان والزمان؟


ولكنى قبل أن أنشغل بالبحث عن مخرج، سمعته يقول وقد أخفض صوته بعض الشىء: «حسنا يا صديقى. ما دمت قد بدأت، ولا تزال حتى الآن على قيد الحياة... أكمل ما فعلت. إنك تشارك الآن وعلى طريقتك المعهودة والمغامرة، فى المعركة الأساسية التى نخوضها فى هذا البلد». وتابع وقد عاد صوته ضاحكا مجلجلا يسألنى عن رفاق عشياتنا السينمائية والوجبات فى مطعم مروش، والسهرات بعد الأفلام فى «الدولتشى فيتا» و«الهورس شو»، وشارع الحمرا... وعن السينما. والمدهش أنه سألنى عن الرفاق بأسمائهم العَلَم التى كنت أنا نفسى قد نسيت بعضها: نبيل (البقيلى)، وسمير (الصايغ)، وكلود (صالحانى)، ومحمد (كعوش)، وبدر (الحاج)... ولست أذكر مَن أيضا. وإثر ذلك، وقد أفقت على اضطرابى وعلى ما يحدث خارج تلك المكالمة التى أعادتنى عشرات السنين إلى الوراء، حاولت أن أسأله عما يجب أن أفعل الآن. فضحك وقال: لا شىء، سوف تجلسون فى أماكنكم نفسها. وكيلى فى وهران انتهى من ترتيب الأمور، والحمد لله على سلامتك، وانفجر من جديد فى ضحكته القديمة؛ ضحكته تلك

التى كان ينفجر بها فى صالات بيروت وبخاصة خلال مشاهدتنا أفلام وودى آلن ولوى دى فونيس التى كان يفضلها على أية أفلام أخرى. مع انتهاء المكالمة وجدت نفسى وبكل تكريم واحترام أُقاد مع رفاقى المحكمين إلى مقاعدنا نفسها وقد أُعيد تثبيت أسمائنا على المقاعد.
بعد فترة وصل عبدالقادر بن صالح إلى الرئاسة بوصفه آخر رئيس من جيل قادة جبهة التحرير، ولقد وصل إلى تلك الرئاسة كنوع من التكريم لتاريخه ونظافة كفه. ومن هنا، حين عدت بعد سنوات إلى الجزائر وكان سى عبدالقادر قد رحل عن عالمنا، سألت صديقا مشتركا عنه وعما إذا كان قد تمكن خلال فترة حكمه القصيرة أن يفعل شيئا للسينما، أجابنى الصديق وعلى وجهه لمسة حزن وأسى: لم يكن لديه من الوقت ما يكفى لفعل أى شىء. كل ما أراده كان أن يثبت، حفظا لتاريخ الثورة وتاريخ هذا البلد، أن فى إمكان رئيس آتٍ من ذلك التاريخ ومن تلك الثورة، أن يترك وراءه سمعة عطرة. وأعتقد أنه قد فعل ذلك حقا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved