مارتن سكورسيزى والذكاء الاصطناعى.. هل بدأت الثورة الجديدة فى السينما؟
خالد محمود
آخر تحديث:
الخميس 25 يونيو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
أثار إعلان المخرج الأمريكى الكبير مارتن سكورسيزى انضمامه مستشارًا فنيًا إلى شركة متخصصة فى أبحاث الذكاء الاصطناعى موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السينمائية العالمية، ليس فقط بسبب أهمية الخطوة نفسها، وإنما بسبب هوية صاحبها؛ فحين يتعلق الأمر بمخرج يُعد أحد أبرز حراس السينما الكلاسيكية وأحد أهم صناعها خلال العقود الخمسة الأخيرة، فإن أى موقف يتخذه تجاه التكنولوجيا الجديدة يكتسب أبعادًا تتجاوز مجرد قرار مهنى عابر.
سكورسيزى، الحائز على جائزة الأوسكار وصاحب أفلام شكلت علامات فارقة فى تاريخ الفن السابع، أعلن أنه بدأ بالفعل استخدام تقنية متطورة لتصميم اللوحات القصصية الخاصة بأفلامه، وهى الرسومات الأولية التى يعتمد عليها المخرج فى تحديد شكل المشاهد وزوايا التصوير وحركة الكاميرا قبل بدء التصوير الفعلى.
من وجهة نظره، لا يمثل الذكاء الاصطناعى بديلًا عن الفنان أو المبدع بل أداة جديدة تساعد على سرعة ترجمة الخيال، وتحويله إلى صور أكثر وضوحًا، ويرى أن السينما منذ نشأتها ارتبطت بالتطور التكنولوجى، وأن كل جيل واجه أدوات جديدة أثارت المخاوف نفسها قبل أن تصبح جزءًا أساسيًا من الصناعة.
وفى دفاعه عن موقفه، أقر سكورسيزى باستخدامه لتقنيات متقدمة فى أعمال سابقة، سواء من خلال التصوير ثلاثى الأبعاد أو المؤثرات الرقمية المعقدة التى سمحت بإعادة تشكيل أعمار الممثلين على الشاشة، وبالنسبة له، فإن الذكاء الاصطناعى يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار التطورى.
لكن هذا التبرير لم يكن كافيًا لإقناع قطاع واسع من الفنانين والعاملين فى الصناعة، فسرعان ما تحولت مواقع التواصل الاجتماعى ومنصات النقاش المهنية إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين مؤيدين ومعارضين، واعتبر كثير من رسامى اللوحات القصصية ومصممى المفاهيم البصرية أن اللجوء إلى الذكاء الاصطناعى يهدد مستقبل وظائفهم، خصوصًا فى المراحل الأولى من صناعة الفيلم.
ويستند المعارضون إلى حجة رئيسية مفادها أن العديد من نماذج الذكاء الاصطناعى الحالية تم تدريبها على ملايين الأعمال الفنية التى أنجزها فنانون حقيقيون دون الحصول على موافقتهم أو تعويضهم ماليًا، ومن ثم فإن استخدام هذه النماذج، من وجهة نظرهم، لا يمثل مجرد تطور تقنى، بل يثير أسئلة أخلاقية وقانونية معقدة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية وحقوق المبدعين.
هذا الجدل لا يقتصر على سكورسيزى وحده؛ فصناعة السينما العالمية تشهد بالفعل انقسامًا واضحًا بين معسكرين؛ الأول يرى أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يصبح أداة فعالة لزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف وتسريع عمليات التطوير والإنتاج، بينما يعتبره المعسكر الثانى تهديدًا وجوديًا للجانب الإنسانى فى العملية الإبداعية.
ومن اللافت أن هذا الانقسام يمر عبر أسماء كبيرة فى عالم الإخراج. فهناك من يرحب بالتكنولوجيا الجديدة ويرى فيها فرصة لتوسيع حدود الخيال السينمائى، بينما يتمسك آخرون بفكرة أن الإبداع الحقيقى لا يمكن اختزاله فى «خوارزمية» أو نموذج حاسوبى مهما بلغت قدراته.
وفى الواقع، لا تبدو القضية بهذه البساطة، فالسينما نفسها ولدت من رحم التكنولوجيا، الكاميرا كانت اختراعا تقنيا، والصوت الملون والمؤثرات البصرية والرسوم الرقمية كلها أدوات أثارت مخاوف مشابهة عند ظهورها، ومع ذلك أصبحت لاحقًا جزءًا لا يتجزأ من لغة السينما.
غير أن ما يميز الذكاء الاصطناعى عن كل تلك الابتكارات السابقة هو أنه لا يقتصر على تنفيذ أوامر المبدع، بل بات قادرًا على إنتاج صور وأفكار ونصوص بناءً على ما تعلمه من أعمال بشرية سابقة. وهنا يكمن جوهر القلق الذى يسيطر على كثير من الفنانين.
وربما لهذا السبب تبدو معركة الذكاء الاصطناعى فى هوليوود مختلفة عن أى معركة تقنية شهدتها الصناعة من قبل. فالنقاش لم يعد يدور حول جودة الصورة أو سرعة الإنتاج أو خفض النفقات، بل حول تعريف الإبداع نفسه وحدود الدور الذى يجب أن يلعبه الإنسان فى العملية الفنية.
فى النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقى هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعى سيدخل عالم السينما أم لا، لأن ذلك يحدث بالفعل. السؤال الأهم هو كيف يمكن للصناعة أن تستفيد من هذه التكنولوجيا دون أن تفقد روحها الإنسانية أو تهدد حقوق المبدعين الذين صنعوا تاريخها.
وبين حماس المؤيدين ومخاوف المعارضين، يبدو أن خطوة مارتن سكورسيزى الأخيرة ليست سوى فصل جديد فى نقاش طويل سيحدد شكل السينما فى السنوات المقبلة، وربما يعيد رسم العلاقة بين الفن والتكنولوجيا بصورة لم نشهدها من قبل.. فهل بدأت بحق الثورة الجديدة فى السينما؟