فى الجون

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 25 يونيو 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

لا تتغيّر طقوس أسرتى الصغيرة مع اقتراب موعد مباريات كأس العالم. الحديث الطويل عن دور المجموعات وتشكيلها وجدول المباريات وتواريخها. الاشتراك فى قناة فضائية من تلك القنوات التى تذيع الحدث الرياضى المهم. تأميم تلڤزيون الصالة بالمعنى الحرفى للكلمة فلا صوت يعلو على صوت المعلّقين الرياضيين، مع الاهتمام بصيانة المروحة لأن البعض لا يستلطف التكييف. ولا ننسى موضوع شراء ألبوم لصور اللاعبين فى كأس العالم والتربيط المبكّر مع الأقارب والأصدقاء لتبادل الصور المكررة، فالباعة الخبثاء يضعون فى كل علبة صورة جديدة أو صورتين فقط والباقى كله مكرّر. وإلى جانب الطقوس المعتادة فى مُولِد كأس العالم أضيف هذا العام طقس جديد هو توزيع ورديات المشاهدة بين أفراد الأسرة بسبب فرق التوقيت، صحيح أن المصريين يعشقون السهر لكن كل شئ له حدود... فين أيام قطَر؟.


• • •
أكثر فترة أحس فيها بغرابتى الشديدة مقارنةً بالآخرين هى خلال مباريات كأس العالم. ذلك لا ينفى أننى أحس ببعض الغرابة أيضًا أثناء مسابقات الدورى والكأس المصريين وكأس أوروبا وكأس الأمم الأفريقية، لكن المسألة فى النهاية نسبة وتناسب، فكأس العالم يخصّ الكوكب. لا أهتم بالكرة ولا أعرف أسماء مشاهيرها باستثناء ابننا محمد صلاح وكم اسم آخرين من باب أن التكرار يعلّم الشطّار. ووجهة نظرى أن الحياة فى هذا الزمن فيها من التوتر ما لا يحتاج إلى مزيد، وقد جرّبت أكثر من مرة أن أشاهد مباريات الفريق الوطنى ووجدت نفسى أنفعل. وعلاوة على ذلك فإننى أعتبر أن عبارة "الكورة اجوان"، التى كثيرا ما سمعتها من المعلّق الشهير محمد لطيف، وكان لطيفًا بالفعل، تلخّص بكل بساطة وظيفة لعبة كرة القدم. وبالتالى أكرر دائمًا إننى لا أفهم لماذا يتفاجأ اللاعبون حول العالم بتسديد الأهداف وكأنها حدث غير متوقّع فيسجدون أو يرشمون الصليب ويتعانقون ويرقصون بينما هذه هى طبيعة عملهم. فكما أن وظيفة الأكاديمى مثلًا أن يبحث ويحلّل، ووظيفة العالِم أن يخترع ويبتكر، كذلك فإن وظيفة لاعب الكرة هى أن يسدد الأهداف ويسعد الجمهور. فهل رأينا فى حياتنا أكاديميًا أو عالمًا يأخذ زملاءه بالأحضان لأنه كتب بحثًا مميزًا أو اخترع اختراعًا جديدا؟ عدا سبعاوى أو فؤاد المهندس فى فيلم "عائلة زيزي" الذى اخترع ماكينة تحوّل القطن لقماش فانتابته فرحة عارمة وأخذ جميع أفراد البيت بالأحضان، لم أصادف موقفًا مشابهًا لا فى الحياة ولا فى السينما، لدرجة أن محمود الزهيرى أو الدكتور عبدالجواد أيوب فى فيلم "واحدة بواحدة" اخترع الفنكوش بهدوء تااام، وما أدراكم ما الفنكوش. وهذا بالضبط سر شعورى بالغرابة، فالقريب والبعيد، والمتعلم وغير المتعلم، والغنى والفقير، والنساء والرجال كلهم كلهم يشاهدون الكرة ويشجعون بجنون. وفى مصر لا تخلو المسألة من مبالغة: يستعّد المشجّعون بالزى الفرعونى عند تشجيع الفريق الوطنى حتى لو كان يلعب فى آخر الدنيا، وصدقًا لا أعرف من أين يأتون به فى تلك البلاد البعيدة. أما "ليڤرفول" فهو اسم لكثير من محلات الفول والطعمية، ويعود ذلك لمحمد صلاح الذى كان سببًا فى تمصير الفريق البريطانى الشهير. والانطباع العام عن المصريين أنهم مهووسون بالكرة، ولذلك فمتى سافرتُ لأى بلد عربى يتكرر سؤال: أهلاوية والا زملكاوية؟ فأردّ: باحب الأهلى لكن ما باتفرجش على الكورة. كيف يعني؟.. تربك إجابتى السائل وعادةً ما يحتاج الموضوع إلى شرح.


• • •
فى ليلة لقاء المنتخب الوطنى مع فريق نيوزيلندا كانت مشاعر أفراد أسرتى مسنونةً كالرماح كما هى العادة. قرار جماعى بعدم مشاهدة الماتش تحسبّا للنتيجة، لكن عندما استيقظتُ عند الفجر كان البيت كله يجلس فى الصالة.. تذكرتُ الجملة الشهيرة لعادل إمام "سايبين الشقة كلها وقاعدين فى أودة واحدة"، بعد ذلك فهمتُ أن مصر كلها قضت ليلتها فى صالة واحدة. ابتسَمتُ، لكن الموقف لم يكن يحتمل المزاح، فالوجوم واضح على الوجوه. كام كام؟ سألتهم، فردّوا: مغلوبين واحد صفر. توتّرت وانسحبتُ. من أسرارى الصغيرة أن لديّ عُقدة شخصية من مدينة ڤانكوڤر الرائعة، ففى كل مرة خططتُ لزيارتها مع ابنتى فى كندا حالت أسعار الطيران الداخلى المبالغ فيها بيننا وبينها. والآن صارت العُقدة الواحدة عُقدتان.


• • •
فى العادة ينبئنا الشارع بكل شئ ويلخّص لنا بضجيجه وحركته حكايات العمائر والناس وكل المخلوقات. زغاريد النجاح والأذانات المتتالية وأحيانًا المتداخلة وبمب العيد وعبارة "أنت الكريم يارب" يعلن صاحبها أنه جاهز لسّن السكاكين. نداءات الباعة ونباح الكلاب وشجار الأطفال ونحيب يأتى من بعيد. وعلى فترات متباعدة صرخة "امسك حرامي" تتردد يليها صياح. أيامنا هى مزيج من كل هذه الأصوات والأحداث والانفعالات. أما حين يلعب الفريق الوطنى ويكسب فصوت الفرحة يكتسح. مستحيل أن يفلت أحد من هذا الشعور الجارف الذى يجتاح الوطن من الحدّ إلى الحدّ كأن الهدف الذى يحرزه المنتخب يوصّل الكهرباء لأوصال الجميع من نفس المحوّل. تعادَل منتخب مصر مع نيوزيلندا، تقدَم، تقدَم جدًا.. المصريين اهمه حيوية وعزم وهمّة. الهيستريا تنتقل من الشارع المزدحم بالمحتفلين إلى صالة بيتنا ولم ينقصنا إلا الكلاكسات. جلستُ وسطهم. شئ لا يُصدّق.. مُدرجات ڤانكوڤر تحوّلت فى غمضة عين إلى صورة مصغّرة من استاد القاهرة، أعلام وغناء ورقص وأحضان من مصريين وعرب وأجانب. رسائل التهنئة على الواتساب فى التَوّ واللحظة من لبنان والعراق والجزائر واليمن، أما ڤيديو أهل غزّة وفرحة أهل غزّة بفوز مصر فإنه يخلع القلب.. من أين أتى هؤلاء العفاريت بالشاشة الضخمة التى تضوّى وسط الركام؟ من أين تشبعّت الأرواح المحبطة بكل هذه القدرة على الابتهاج والفرح والاحتفال بالأشياء الصغيرة؟ إنه جزء من عبقرية غزّة. أحببتُ المشهد بكل تفاصيله.. أحببته جدًا.


• • •
فى الصباح وبمناسبة قرب مباراة مصر مع إيران توالت النكات المصرية كالعادة ومنها ما لا يخرج إلا من أحد أبناء كار السياسة: الإيرانيون يهددون بغلق مضيق هرمز إذا فاز المصريون!!! مممم... بدأتُ أفكر جدّيًا فى مشاهدة لقاء الفريقين المصرى والإيرانى بحجّة متابعة التطوّر فى وضع المضيق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved