لماذا انهار الاتفاق الأمريكى الإيرانى؟

أحمد فاضل يعقوب
أحمد فاضل يعقوب

آخر تحديث: السبت 25 يوليه 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

مع استمرار الضربات العسكرية الأمريكية على إيران وتوسعها لمناطق فى العمق وتنوع أهدافها لتشمل البنية الأساسية، والرد الإيرانى باستهداف القواعد والتسهيلات الأمريكية فى بعض دول الخليج والأردن، وإعلانها إغلاق مضيق هرمز أمام الناقلات التى لا تنسق مع سلطاتها، والإعلان الأمريكى عن عودة الحصار البحرى ضد إيران وإلغاء السماح لها ببيع بترولها فى السوق الدولية، أى العودة لفرض العقوبات، فقد أصبحت أهم عناصر مذكرة التفاهم الأمريكى الإيرانى الموقعة بينهما فى 18 يونيو 2026 غير منفذة من الطرفين وانهارت تماما، بعد أن كانت هناك آمال كبرى من المجتمع الدولى ككل بانتهاء هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بشكل نهائى مع توقيع هذه المذكرة، وأن يتنفس الاقتصاد الدولى مع بدء انخفاض أسعار البترول إلى نحو السبعين دولارا للبرميل، ولكنه عاد مع استئناف الحرب لكى يقترب من 95 دولارًا للبرميل عند كتابة هذا المقال.


فما الذى جرى وما الأسباب والدوافع الحقيقية للعودة للحرب وانهيار مذكرة التفاهم بهذه السرعة؟ وهل مجرد اعتراض إيران لناقلتين فى خليج هرمز فى العاشر من يوليو 2026 كان السبب الرئيس لذلك؟ أم كان يمكن احتواء هذا الحدث من خلال الآليات التى وضعها الوسطاء التى وافق عليها الطرفان وأعلنت فى 22 يونيو 2026؟. فضلا عن أن نص المادة الخامسة من المذكرة يعطى صراحة مسئولية لإيران حول فتح وإدارة المضيق بدون رسوم خلال ثلاثين يوما من توقيع المذكرة.


• • •
يلاحظ بداية أن الرئيس الأمريكى، فى مؤتمره الصحفى الذى عقده على هامش قمة الدول السبع فى باريس، أشاد بقوة بمذكرة التفاهم ودافع عن أهم بنودها، مؤكدا أن إيران لن تسعى لسلاح نووى ولن تمتلكه، وأن تعهد بلاده بإعادة الأموال الإيرانية المجمدة هو فى صالح قوة الدولار الأمريكى، لأن استمرار سياسة تجميد الأموال لن يجعل أحدا يستثمر فى الدولار الأمريكى، وأكد كذلك أن الاتفاق يسمح بفتح مضيق هرمز لتأثيره الإيجابى على الاقتصاد العالمى، وأنه مهما استمرت الضربات ضد إيران فلن يفتح المضيق بالقوة، كما أكد حق إيران فى امتلاك صواريخ بلاستية للدفاع عن نفسها، كما كشف عن أمر آخر أكثر أهمية ولم يتناوله كثير من المحللين، وهو أن الاحتياطى الاستراتيجى من البترول كان على وشك الانتهاء خلال عدة أسابيع، بل ووجه اللوم لإسرائيل فى سياستها فى لبنان، كما انتقدها فى عدم الاشتراك فى اغتيال القائد العسكرى الإيرانى قاسم سليمانى، بعد أن كانت الخطة تقضى بمشاركتها، ولكنها انسحبت فجأة قبل أيام من تنفيذ العملية، مما دفعه لاتخاذ قرار بتنفيذه بدونها.


فما الذى جرى لكى يتغير كل ما جاء على لسان ترامب نفسه، وتعاود الولايات المتحدة استئناف ضرباتها ضد إيران فى عدة موجات لا تزال مستمرة حتى كتابة هذا المقال؟
يبدو لى أن أهم أسباب انهيار الاتفاق ترجع إلى ما يلى:


أولا: الموقف الإسرائيلى وتحريك أذرعها داخل الولايات المتحدة ضد الاتفاق


فقد كان من الواضح أن إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى العالم التى أعلنت رفضها للاتفاق، ومن ثمّ فقد حركت أذرعها داخل الولايات المتحدة سواء فى الكونجرس والإعلام المؤيد لها ومنه (فوكس نيوز)، ومن المنظمات المرتبطة بها وذات التوجه المسمى المسيحية الصهيونية، ومن جماعات الضغط الموالية لها وعلى رأسها (آيباك) ضد الاتفاق، وبعض هذه الشخصيات والمنظمات تعد من القواعد الانتخابية للرئيس ترامب ومؤيديه فى الحزب الجمهورى، ولذلك شاهدنا نائب الرئيس الأمريكى فانس يخرج فى تصريحات متلفزة يهاجم هذا التحرك الإسرائيلى الساعى للتأثير على الرأى العام الأمريكى ضد الاتفاق، ويذكر حكومة إسرائيل بأن ترامب هو من الرؤساء القلائل الذين يؤيدون إسرائيل، واتهم بعض عناصر الحكومة الإسرائيلية بأنهم يريدون حربا مع إيران إلى الأبد، أيا كانت العواقب والتبعات الدولية والإقليمية والاقتصادية والسياسية عالميا.


يبدو أن هذا التحرك الإسرائيلى من خلال أذرعها قد أتى أكله رغم موقف نائب الرئيس، فقد ظهر تحول داخل الإدارة الأمريكية يناقض تصريحات فانس بتصريحات مغايرة تماما على لسان وزير الخارجية الأمريكى ومستشار الأمن القومى ماركو روبيو، حينما زار منطقة الخليج فى 25 يونيو 2026، وكانت لهجته حادة ضد إيران وقادتها، وفيها نبرة تهديد شديدة بل وتميل لوجهة النظر الإسرائيلية حينما تحدث عما أسماه أذرع إيران فى المنطقة وسلاحها البالستى الذى يجب أن يكون على مائدة التفاوض، وهو ما لم تتضمنه مذكرة التفاهم، الأمر الذى جعل الإدارة الأمريكية تظهر بعد أسبوع واحد من توقيع الاتفاق وكأن لها رأسين وسياستين إزاء إيران وليس سياسة واحدة، وهذا الوضع لا يزال قائما بين نائب الرئيس فانس من جهة، ووزير الخارجية ومعه وزير الحرب الأمريكى من جهة أخرى، ولكن من الواضح أن مواقف التيار المرتبط بإسرائيل هو الغالب وهو الذى تبنى رغباتها فى العودة للحرب ومن ثم كان ذلك السبب الأساسى الأول لاستئناف الحرب.
ثانيا: الملف اللبنانى والتحرك الأمريكى الإسرائيلى المخالف لمذكرة التفاهم


كانت إيران ولا تزال تصر على أن وقف الحرب يجب أن يشمل كافة الجبهات خاصة الحرب الإسرائيلية على لبنان وحزب الله، والانسحاب الإسرائيلى من الأراضى اللبنانية التى احتلتها فى الجنوب والتى تشكل نحو 8% من مساحة لبنان، والتى أدت لتهجير نحو سدس سكان لبنان أى أكثر من مليون مواطن وأكثر من أربعة آلاف شهيد عدا الجرحى، وقد نجحت إيران فى أن تضع ذلك فى البند الأول من مذكرة التفاهم، والتى تنص على الوقف الفورى والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات بما فى ذلك لبنان، وأن يمتنع الطرفان عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، وبضمان سلامة أراضى لبنان وسيادته، وهو ما يعنى الانسحاب الإسرائيلى من لبنان، الأمر الذى رفضته إسرائيل صراحة على لسان كل من رئيس وزرائها ووزير الدفاع علانية وبشكل متكرر، وأصرت على عدم الانسحاب وأعلنت المنطقة المحتلة منطقة أمنية، كما رفضت وقف ضرباتها المستمرة على لبنان وأكدت على أنها سيكون لها الحرية فى توجيه ضربات عسكرية بشكل دائم لما تراه تهديدا لها وحسب تفسيراتها. ومن ثم عدم التزامها بما ورد فى مذكرة التفاهم.


ومن الواضح أن الموقف الإسرائيلى كان له تأثيره فى التحرك الأمريكى المخالف لمذكرة التفاهم حول لبنان والمخالف كذلك للبيان الصادر عن الوسيط الباكستانى فى 22 يونيو 2026 عقب المباحثات الفنية المتعلقة بتنفيذ بنود مذكرة التفاهم، والذى تضمن اتفاق الطرفين الأمريكى والإيرانى، ضمن عدة أمور أخرى، على أن تنشأ خلية إيرانية أمريكية لبنانية، أى تشارك فيها الحكومة اللبنانية لمتابعة وقف إطلاق النار فى لبنان وتحقيق الانسحاب الإسرائيلى، وحدث اتصال بين كل من فانس ووزير الخارجية الإيرانى مع الرئيس اللبنانى عون عقب هذا البيان، كما حدث اتصال من عون لوزير الخارجية الإيرانى لتنفيذ هذا المسار المسمى مسار إسلام آباد.


ولكن أدت الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية وترامب من خلال أذرعها إلى الاستجابة الأمريكية لها، وإنشاء مسار تفضله إسرائيل بالمفاوضات المباشرة مع الحكومة اللبنانية فى واشنطن، ونجحت إسرائيل فى أن تنتزع من لبنان ورقة الاعتراف بها، دون مقابل مناسب، وأن تستفرد بالمفاوضين اللبنانيين عديمى الخبرة، وتوقيع اتفاق إطارى بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة فى 28 يونيو 2026، ورأت فيه إيران أنه مخالف لما تم الاتفاق عليه، ولا وجود فيه لأى بنود حول الانسحاب الإسرائيلى الكامل من الأراضى اللبنانية، ولا عودة المهجرين لأراضيهم فى الجنوب المحتل، بل بربط ذلك كله بتعهد الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله وتدميره وتدمير بنيته الأساسية بشكل كامل وقابل للتحقيق، وألا يكون للحزب أى دور مستقبلى أمنى مباشر أو غير مباشر إطلاقا، بل ويسمح لإسرائيل بحق الدفاع عن النفس وهو ما فسرته إسرائيل بحقها الدائم فى حرية الحركة العسكرية ضد لبنان فى أى زمان ومكان، كما أكدت إسرائيل أنه يسمح لها بالبقاء فى المناطق المحتلة للأبد واعتبرته نصرا لها، وقد اعتبرت إيران هذا الاتفاق قد فرّغ أهم بند بالنسبة لها فى مذكرة التفاهم من مضمونه وهو علاقاتها بحزب الله.


ولذلك فمن المرجح استمرار الحرب الأمريكية على إيران بدوافع وأذرع إسرائيلية فى شكلها الاستنزافى الحالى، بل ومن الوارد توسعها بانضمام إسرائيل لها مرة أخرى، خاصة مع دخول الحوثيين على خط الجبهة بفرضهم حصارا على الناقلات السعودية فى باب المندب، كما أن دفع الحكومة اللبنانية لتنفيذ ما تعهدت به حول نزع سلاح حزب الله قد يؤدى لحرب أهلية تغذيها إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، ما لم ينجح الوسطاء فى العمل على إيقاف هذه الحرب مرة أخرى، وأن ينجح الجناح الذى يمثله فانس فى الإدارة الأمريكية فى كبح جماح الجناح المتطرف المؤيد لإسرائيل والمستجيب لضغوطها والذى يمثله وزيرا الخارجية والحرب الأمريكيين.


مساعد وزير الخارجية سابقا، وسفير مصر الأسبق لدى باكستان

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved