مصنع الآلهة

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: الأحد 25 أغسطس 2013 - 8:55 ص بتوقيت القاهرة

شراب مثلج على مقهى فى الهواء الطلق بميناء بافوس القديم، غربى جزيرة قبرص. وللمدينة الساحلية حكاية من أساطير الآلهة، بل هى نتاج مباشر لتلك الرواية التى جاءت فى نصوص الشاعر الرومانى أوفيد.

لأن بافوس هو ابن الحب الذى جمع بين النحات بيجماليون وامرأة أحلامه جالاتيا، فقد صنع الفنان تمثالا من العاج وأبدع فى تصويره حتى استغرق فيه وعشقه، وظل يتأمله ليلا ونهارا، ويصلى للإلهة أفروديت، ربة الحب والجمال، حتى استجابت لدعائه ونفخت من روحها فى التمثال فحولته لسيدة رائعة، تزوجها بيجماليون بمباركة أفروديت، وأنجب منها «بافوس»، مؤسس المرفأ البحرى الذى لا يزال يحمل اسمه.

وبما أن لكل من اسمه نصيب فللمدينة سحر خاص: نافورة الحب (la Fontana Amorosa) تقف على بعد خطوات من مقابر الملوك أو غرف الدفن الخاصة ببعض نبلاء العصر البطلمى، ففى الزمن الغابر كانت الآلهة والأوثان والهياكل والمعابد تتداخل مع تفاصيل الحياة اليومية بشكل غائر.. مما جعل «بافوس» ضمن المدن المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمى.

●●●

يسرح المرء بخياله بعيدا عن واقع الحظر القاهرى، حيث نسمات الصيف ومطاعم الأسماك التى لا تنتهى، إلى جوار الحصن العتيق على المتوسط، بمدينة بافوس. يحن للحظات استرخاء مماثلة، لكن يزوغ البصر ويتوقف عند تماثيل صنعها بشر لتخليد الحكام.. لأن البعض كان يسكن بعيدا عن عاصمة المُلك فقد ارتأوا أن يصنعوا تماثيل تشبه الحاكم أو تفوقه جمالا على الطبيعة حتى يمجدوه فى غيابه، فالمسافات التى تفصلهم يجب ألا تمنعهم من أن يوفوه حقه...

وأحيانا يبالغ النحاتون قليلا أو كثيرا فى أداء واجبهم فينتهى الأمر بعامة الناس أن يعبدوا التمثال من فرط حسنه، أى يتحولون إلى عبادة الفرد.. وهو ما يحدث بأشكال مختلفة إلى يومنا هذا فى كثير من بقاع الأرض، ومصر من بينها حيث نبرع فى صناعة الآلهة منذ فجر التاريخ.

والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا تتشابه على هذا النحو الآلهة الحديثة وآلهة الميثولوجيا؟ لماذا نبجل شخصا بذاته، خلال ظرف معين، ثم نعانى منه تاريخيا؟ لماذا نخلق من القادة أسيادا؟ الجماهير هى التى تدفع بالقائد إلى صفوف الآلهة، فيجد نفسه «سوبرمان، ساحرا، لا يخطئ، على صواب دائما»، كما يذكر محمد فتحى يونس فى كتابه «صناعة الآلهة: دراسة فى أساليب الدعاية للقادة السياسيين» الذى صدر قبل عام عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

●●●

معظم الطغاة لم يولدوا هكذا، لكن أصبحوا هكذا.. معظمهم كانوا فى البداية وطنيين، مستعدين للدفاع عن بلادهم ولو كلفهم هذا دماءهم، خاضوا معاركا من أجل الاستقلال أو الحرية، أحبوا شعوبهم فأحبتهم بجنون، وأحيانا لدرجة العبادة.

وغالبا يظهر الديكتاتور فى لحظة يكون الشعب بحاجة لمخلص ومنقذ بعد أن وصل لأقصى درجات اليأس: ألمانيا فى ثلاثينيات القرن الماضى انتخبت هتلر وأتت به صناديق الاقتراع فى وقت كانت البلاد بحاجة الى من يلعق جراحها ويضمدها لكى ينهض بها بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، إذ كانت مشوشة وتعانى من زيادة كبيرة فى نسبة التضخم والبطالة..

أما الجنرال فرانكو فقد جاء لينقذ إسبانيا من الفوضى فى ظل ضعف الملكية الشديد والأطماع البلشفية. وفيديل كاسترو أطاح بديكتاتور، من طراز العالم القديم عندما تخلص من باتسيتا وجيشه، وقاد ثورة رومانسية بذقنه وسيجاره وأحلامه فى التصدى للرأسمالية و محاربة الفقر والفساد.

●●●

الميثولوجيا الحديثة مليئة بهؤلاء الذين بنوا أمجادهم بسبب خوف الشعوب من الفراغ أو الفوضى، عندئذ يظهر القائد الملهم الذى يتحدث بصوت واثق فيستمع الجميع.. يضع الأمور فى نصابها، يقاوم «المتمردين» أو الخارجين على الناموس العام ويهدئ من روع الشارع ويعيد للجماهير زهوها بعد لحظات انكسار..

يعيد إليها الحلم فتستلم طواعية، متناسية أنها ربما قد ضحت فى المقابل بحريتها وأنه سيأتى يوم يتحول فى نظرها «الإله» إلى الشيطان الأعظم، تحت وطأة أمراض السلطة كالفصام والميجالومانيا أو الشعور بالعظمة، إلى ما غير ذلك. وقد يضطر أحيانا للتضحية بالشعب وترهيبه وقتله إذا لزم الأمر، مقتنعا تماما أنه فى حالة دفاع شرعى عن النفس.. حرب من أجل البقاء، يكون من الصعب خلالها أن يتراجع، فقد وصل لدرجة اللاعودة، والديكتاتور الشاطر إما أن يظل فى الحكم أو يموت!

لقد بدأ بإغواء الجماهير فى البدايات، وربما حقق انجازات فى مطلع حكمه كموسولينى الذى حارب وباء المالاريا المتفشى جنوب العاصمة وبعض الأمراض المستوطنة خلال الثلاثينيات، أو صدام حسين الذى نجح خلال السبعينيات فى تحقيق طفرة صناعية وزراعية وثقافية، قبل أن ينطلق ببلاده إلى الهاوية.

حاجة الشعوب وخوفها قد تحول القائد إلى ديكتاتور، وهناك بلاد بعينها أكثر عرضة لأن تتحول فى لحظات إلى مصنع «دلعو يا دلعو» لإنتاج الآلهة والأصنام الحجرية، بحكم تاريخها.. وبيجماليون أيضا عندما صنع تمثاله كان فى حاجة إلى نموذج المرأة المتخيلة، بسبب غضبه من نساء بلاده وواقعهم، ثم أصبح أسيرا للتمثال.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved