المتعصبون أصناف!

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

 فى الحياة تلتقى شخصيات متسامحة الروح، بسيطة التدين، منفتحة النظرة، وشخصيات أخرى متعصبة، حانقة، معقدة، تكره الآخرين، لا سيما المختلفين معها فى المعتقد. هؤلاء المتعصبون ليسوا صنفًا واحدًا أو شكلًا واحدًا، بل هم خليط من البشر يتفقون على نبذ وكراهية أصحاب المعتقدات الأخرى، لأسباب ودوافع متباينة. أقول ذلك على خلفية تدوينات لسيدة على وسائل التواصل الاجتماعى تطعن فى عقيدة أخرى، رغم ما يبدو من مظهرها من انفتاح، يفترض أن يحكم أفكارها. وأيًا كان مصير تلك الواقعة، فما يعنينى الآن هو الوقوف أمام أصناف المتعصبين، والذين قد يكونون مسلمين أو مسيحيين أو شخصيات لا تنتمى إلى أى معتقد دينى، والتعرف على مساراتهم فى الحياة.

أولًا: هناك المتعصب الذى يبحث عن التطهر من أخطائه وخطاياه من بوابة التشدد. هؤلاء عاشوا فترة فى انفلات أخلاقى، ثم اتخذوا شكلًا من التعصب الدينى للتكفير عن خطاياهم السالفة. مثال الشخص الذى قضى شطرًا من حياته متهتكًا مع النساء، فيفرض التزمت على نساء بيته، ويرمى النساء الآخريات بكل نقيصة، أو تلك الشخصية التى تغطى على أفعالها المشينة وممارسة الفساد بالتزمت الدينى الظاهرى. مثال على ذلك تلك السيدة التى هاجرت إلى الولايات المتحدة، وتقدم فيديوهات جنسية على الفضاء الرقمى شديدة البذاءة، وفى الوقت ذاته تطعن فى عقيدة الآخرين، فى خليط غريب غير متجانس القوام بين فساد أخلاقى ظاهر، وفاضح، وبين ادعاء الحمية الدينية، والدفاع عن الدين التى لا تنفذ تعاليمه.

ثانيًا: هناك المتعصب المستفيد، وهو الشخص الذى اختار نهجًا سياسيًا أو إعلاميًا يحقق من خلاله مكاسب بالتزمت والتعصب والتشدد فى النظرة تجاه الذات والآخرين. هؤلاء فرسان معابد، يحرسونها ولا يدخلونها بأرجلهم، فلا هم متدينون ولا ملتزمون دينيًا، لكنهم دعاة تزمت مع خاصتهم، وتعصب تجاه المختلفين دينيًا معهم. أعرف بعضًا من هؤلاء، يلجأون إلى التعصب بحثًا عن مكسب دون أن يمارسوا التدين الذين يزودون عنه، ويهاجمون غيرهم بدعوى الدفاع عنه. ونظرًا لأن التنافس يدب بين هؤلاء بحكم ثقافة أكل العيش، فإنهم يوغلون فى نشر رسائل التعصب للمزايدة على بعضهم بعضًا، ويشعرون بوجودهم وتأثيرهم إذا انتقدهم الآخرون.

ثالثًا: هناك المتعصب المضطرب نفسيًا وفكريًا، وهو نتاج الجهل، والتشوش، والأفكار المتناقضة فى المجتمع، وتلعب السوشيال ميديا دورًا فى إذكائها. هؤلاء الأشخاص ليس لديهم تكوين فكرى، بل معرفة مشوهة عن الآخر الدينى، ووعى مختلط تجاهه، بفعل الأوهام، والثقافة الشعبية المضطربة، وغياب الوعى النقدى، ما يدفع الناس إلى ممارسة التعصب دون وعى أو إدراك، وقد يتغير إدراكهم إذا تعرضوا إلى خطاب دينى مستنير، ثم ما يلبث أن يعودوا إلى تعصبهم إذا تعرضوا لثقافة جاهلة متطرفة.

رابعًا: هناك المتعصب المتساجل، الذى يطعن فى عقائد الآخرين من منطلق ممارسته للسجال الدينى، تجده على صفحات السوشيال ميديا ينفث جهلًا وتعصبًا، وهو يعتقد أنه فى مهمة مقدسة، وتقف خلفه شبكات مصالح وتمويلات وعلاقات معقدة غير بريئة سياسيًا.

هذه أربعة نماذج للمتعصب، إما المتطهر الزائف الذى يظن أن كراهية الآخرين تطهره، أو الانتهازى المستفيد الذى يتخذ من التعصب مشروعًا للظهور والتربح أو المضطرب الجاهل الذى تتقاذفه أمواج الجهل أو المتساجل الذى تحركه المصالح، ووهم الحرب المقدسة.

لن نستطيع أن نحارب التعصب، ونواجه المتعصبين إلا بمعرفة دوافعهم، والمصالح التى تحركهم، وهذه مهمة شاقة وطويلة، لكن يبقى تطبيق القانون بصرامة هو أساس فرض الاحترام المتبادل، والمواطنة المتساوية، والفرص المتكافئة فى المعاملة والتعبير عن الرأى، حتى وإن ظلت المشاعر المكتومة على اضطرابها وتعصبها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved