زلزال البروفيسور جيسون أرداى
محمد عبدالمنعم الشاذلي
آخر تحديث:
الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
حقق البروفيسور Jason Arday سبقًا كبيرًا فى مارس من عام ٢٠٢٣ عندما عُين أستاذًا لعلم الاجتماع التعليمى Socio Education فى جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، وهو فى السابعة والثلاثين من عمره، ليكون أصغر رجل أسود يحصل على درجة الأستاذية فى هذه الجامعة العريقة.
وما أن حصل البروفيسور أرداى على هذا المنصب الرفيع حتى قادته نفسه، والنفس أمارة بالسوء، إلى طوفان من التصريحات لخدمة أناته المتضخمة: فعن إنجازه الأكاديمى صوره كإعجاز بشرى لطفل مصاب بالتوحد Autism ظل عاجزا عن النطق والحديث حتى سن الخامسة وعاجزا عن القراءة والكتابة حتى سن الثامنة عشرة، وعن لياقته البدنية الفائقة ذكر أنه جرى ٦٠٠ ميل فى عشرة أيام، وعن نشاطه فى المجال الإنسانى أنه قدم عونًا إلى منظمة إنسانية لتركيب مضخات للمياه العذبة فى قرى البرازيل، وعن جاذبيته الإعلامية أنه شارك فى برنامج تلفزيونى شهير.
لفتت هذه الادعاءات المبالغ فيها النظر إلى البروفيسور الشاب وحفزت من أرادوا مهاجمته على البحث عن صحتها، وبالبحث ثبت كذب كل هذه الادعاءات! بدءا من جرى الـ ٦٠٠ ميل، وهو ادعاء مبالغ فيه وليس مطلوبا فأستاذ الجامعة ليس من مسوغات تعيينه أن يكون بطلا أولمبيا، كما ثبت كذب ادعائه التأخر فى الكلام حتى سن الخامسة، وعن القراءة والكتابة حتى الثامنة عشرة، ونفت المنظمة الإنسانية القيام بأى أعمال فى البرازيل، أما البرنامج الإعلامى الذى ادعى المشاركة فيه فقد أذيع قبل مولده بعشرين سنة.
بعد انكشاف كل هذه الأكاذيب كان من الطبيعى أن يبحث البعض عن خلفياته الأكاديمية، وكان أول اتهام بالسرقة العلمية من أكاديمى اتصل به طالبا التوضيح عن شبهة للسرقة فرفض الحديث معه وهدّد بمقاضاته بتهمة التشهير واتصل به صحفى لاحقا فأبلغ الشرطة التى اتصلت بالصحفى وحذرته من الاتصال بالبروفيسور وإلا تعرض للعقاب بتهمة التنمر.
استفزت ردود أفعال البروفيسور الجمهور، خاصة إبلاغ الشرطة التى قامت بتهديد الصحفى واعتبرت الأمر عدوانا على حرية الصحافة.
ومع تصاعد وتكرر التساؤلات بدأ البروفيسور يتراجع عن بعض ادعاءاته وذكر أنه ربما وقع فى بعض الأخطاء فى أبحاثه المنشورة معللا ذلك بحالة التوحد التى يعانى منها وقلل من قيمة الأمر بتصريح استفزازى بأنه أمر بسيط وليس جريمة قتل!
ومع زيادة الاتهامات والتعليقات وجدت جامعة كامبريدج نفسها مضطرة إلى إجراء تحقيق فى الأمر، وفى اليوم التالى لإعلان الجامعة نيتها إجراء تحقيق قدم جيسون أرداى استقالته من الجامعة، وفى اليوم اللاحق وجدت الشرطة جثته منتحرا فى منزله.
أدت قضية جيسون أرداى إلى ردود فعل مزلزلة فى الأوساط الأكاديمية ليس فى جامعة كامبريدج وحدها بل على مستوى أوروبا والولايات المتحدة ونالت كثيرا من سمعة الجامعة العريقة.
ولكن بعيدا عن الوسط الأكاديمى، فجرت القضية بركانا أخطر وأهم وهو التقطب العنصرى، فوجهت الدوائر العنصرية البيضاء سهامها إلى برنامج Diversity Equity and Inclusion المصمم من أجل التمييز الإيجابى للفئات الأقل حظًا فى المجتمع: ومنها الملونون دافعين بأن جامعة عريقة مثل جامعة كامبريدج يجب أن تكون اختياراتها مبنية على أساس الكفاءة دون تمييز بسبب الجنس واللون، وأن جيسون أرداى ما كان يحصل على درجة الأستاذية لولا لونه الأسود الذى زكاه، خاصة وأن الجامعة التى حصل منها على شهادة الدكتوراه وهى جامعة جون مورس فى ليفربول مصنفة بالمركز الخمسين فى جامعات المملكة المتحدة، وفى المركز الـ ٤٠٠ على مستوى العالم وهو تصنيف متدنى لاختيار الأساتذة منه لجامعة عريقة مثل جامعة كامبريدج.
انهالت الرسائل عبر المحيط من الولايات المتحدة تدين برنامج DEI، وتدين البروفيسور الأسود. ولأن كل فعل له رد فعل مساو له فى القوة ومضاد له فى الاتجاه، نشطت جماعات السود وأنصار الحقوق المدنية تدافع عن البروفيسور أرداى وتؤكد أنه تعرض لحملة ضارية وظالمة بسبب لونه مما خلق جوًا مفعمًا بالتقطب والعداء.
تأتى هذه المواجهة العنصرية فى وقت دقيق شهدت فيه أوروبا هجومًا ضاريًا ضد المهاجرين، كان من أخطرها المظاهرات العارمة فى أيرلندا بعد تعرض رجل أبيض لهجوم وحشى من رجل أسود تم خلالها اقتحام وإحراق دور المهاجرين وترويعهم إضافة إلى الكلمات النارية فى مجلس العموم البريطانى ضد المهاجرين وسائر الدول الأوروبية.
لعل أكثر ما يثير القلق ما يحدث فى قلعة الدفاع عن الحقوق التى دكت نظام الأبارتايد العنصرى حتى أسقطته وهدمته فى جنوب إفريقيا التى تشهد حملة من التنكيل بالمهاجرين من زيمبابوى وملاوى تقودها منظمة Dudula السوداء الفاشية ضد ١٨٠ ألف مهاجر إفريقى، والمفارقة الأكبر أن مركز هذه المنظمة هى مدينة سويتو التى كانت مركز أكبر تضحيات قدمت فى الكفاح ضد النظام العنصرى.
ولإدراك ما يحدث فى العالم، نرجع إلى عام ١٩٨٧ عندما أجبرت الضغوط الشعبية نائب رئيس نادى فريق الدودجرز الشهير فى لوس أنجلوس على الاستقالة بعد تصريحات أدلى بها لشبكة ABC التلفزيونية جاء فيها أن السود لا يصلحون لإدارة الأندية أو الفرق الرياضية، وتكرر الأمر فى عام ١٩٨٨ عندما أنهت شبكة CBC عقد أشهر معلقيها الرياضيين بسبب قوله أن تفوق الرياضيين السود يرجع إلى أسلوب نشأتهم تحت العبودية.
أين نحن الآن من هذا عندما يضع رئيس الجمهورية صورة رئيس سابق وزوجته على صورة أجسام قرود؟
العنصرية آفة شيطانية ملعونة لا تقتصر على جنس بل هى تعصب ضد الآخر أسود أو أحمر أو أصفر وضد الدين ولعل أخبثها الإسلامو-فوبيا.
علينا التحسب لهذا الطاعون الأسود الذى مسنا ورأينا العراق ينهار بسبب عنصرية حكمه ضد الأكراد والشيعة، ورأينا سوريا تنهار بسبب عنصرية قيادتها العلوية ضد مكونات الشعب الأخرى، ورأينا السودان يتفسخ بسبب عنصرية حكامه ضد المكون الإفريقى غير المسلم.
دعوا الفتنة نائمة.. لعن الله من أيقظها.
عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية